ساهم معنا فى رفع ترتيب منتديات شبكة الحياة السعيدة عن طريق عمل مشاركة للموضوع على الفيس بوك


معنى الخشوع في الصلاة


الخشوع هو : السكون والخضوع والتذلل وانكسار لله تعالى، ومحله القلب وبقية الجوارح، وهو تضرع لله تعالى، وهو لين القلب وسكونه.
والشيء الخاشع هو الشيء الساكن الهادئ، والخشوع هو الضراعة، وأكثر ما يستعمل الخشوع فيما يوجد على الجوارح،قال تعالى: ((و خَشَعَتْ الأصْوَاتُ للرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلا هَمْسَا)) (1)، ((خَاشِعَةٌ أَبصَارُهُم)ْ)(2) .

والخشوع عام في حياة المسلم، فالخاشع لله إنسان ليس من أهل الجدل أو الباطل، والخشوع في الصلاة ما هو إلا حالة خاصة من حالة الخشوع العام هذه، التي يجب أن يكون عليها الإنسان المسلم في حياته، والناس لا تعرف من الخشوع إلا الخشوع في الصلاة، وذلك لندرة الخاشعين خشوعاً عاماً، ولندرة الحديث عن الخشوع العام.


فالخشوع في الصلاة هو:

أن تصلي لله بحضور ذهني كامل لكل كلمة تقولها، وكل حركة تؤديها، وبقلب مصدق لفعل الجسد، مقبل على العبادة بذل وانكسار لله تعالى، طالباً رحمته، راغباً في جنته، مؤدياً كل ذلك بسكينة ووقار، إجلالاً وتعظيماً لله المعبود.

وبدراسة التعريف نجد أن الخشوع يبدأ بالحضور الذهني لكل كلمة نقولها في الصلاة و كل حركة نؤديها، وهذا هو الوعي لما نقول ونفعل، وهو المقدمة للخشوع، بل هو الأساس، فإن لك يكن هنالك وعي فلن يكون هنالك خشوع، لأن الوعي سوف يبنى عليه حضور القلب لإتمام الخشوع، لذلك يقول الله تعالى: ((لا تَقْرَبُوا الصَلاَةَ و أنتم سُكَارىَ حتى تَعْلمُوا مَا تَقُوُلُون))(1).
فكان التعليل "حتى تَعْلمُوا مَا تَقُوُلُون" وهو الحضور الذهني الذي قصدناه، وإن كان ظاهر الآية هو السكارى من تناول الخمور، فإن السكارى اليوم من كثرة هموم الدنيا، أو من شدة حبهم للدنيا ترشدهم الآية إلى ضرورة صفاء الذهن "حتى تَعْلمُوا مَا تَقُوُلُون"، وبغير ذلك تكون الصلاة التي نؤديها عبارة عن مجموعة من الحركات الرياضية التي يقوم بها الجسد بشكل آلي، بعيدة عن الحضور الذهني لما نقول ونفعل، وعليه فهي أكثر بعداً عن حضور القلب الذي هو روح الصلاة، فلا أساس فيها للخشوع.
أما إذا حضر العقل ووعى الكلمات التي تقال والحركات المؤداة، فإننا نكون قد حصلنا على الدرجة الأولى من الخشوع وهو الوعي، وهو الأساس للخشوع، وبمقدار الحضور الذهني يكون الوعي؛ فإذا ما انضم القلب مقبلاً برغبة ومحبة وانشراح لأداء هذه الحركات بذل وانكسار تعبداً لله، حصل الخشوع في الصلاة، وأصبحت حركات الركوع والسجود والقيام عبادة، وأصبح لكل حركة معنى تتجلى في بعضها السكينة، وفي بعضها التذلل والانكسار، وفي بعضها الخضوع التام لله رب السماوات والأرض، وبمقدار اشتراك القلب وحضوره وإقباله يكون الخشوع لديه.

والخشوع يتطلب الانسجام التام، ما بين الحضور الذهني والقلب المنشرح المقبل على العبادة، مملوءً بالفرح والاستبشار، مشحوناً بالرغبة في الصلاة، والروح المتعلقة بخالقها تعظيماً وهيبةً وإجلالاً لله تعالى، رجاءً وحياءً من التقصير والذنب، فتصلي وأنت كتلة واحدة، كل شيء فيك يصلي لله تعظيماً وإجلالاً، وكل شيء فيك متعبد لله بسكينة ووقار، متعلقاً بخالقك، متذللاً له طالباً مغفرته راجياً رحمته، وبقدر هذا الانسجام والتكامل يكون الخشوع.

ولنعلم أن كل ما في الدنيا يسجد لله، ولكن الإنسان هو الوحيد الذي يملك إرادة السجود أو عدمه لله تعالى؛ فقد قال الله عز وجل: ((أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوُابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ))(1).
لذلك كان أجر خشوعه الجنة، والبراءة من النار.
فالنصائح التي سوف ترد لاحقاً تصب في مبدأين اثنين هما:
أولاً: الابتعاد والحد من كل ما يمكن أن يشغل العقل أثناء الصلاة، أو يغيّب القلب.
ثانياً: الاقتراب من كل ما يمكن أن يساعد على حضور العقل وحضور القلب أثناء الصلاة، أو ما يملؤه الإيمان فيجعله منشرحاً للصلاة.

ما يتعارض مع الخشوع:
ما سوف أقدمه عبارة عن مجموعة من النصائح، هذه النصائح قد تصطدم بحاجز أو أكثر من الحواجز التي لا يمكن تجاوزها، بل يجب إزالتها، ولن يكون لهذه النصائح أي أثر فعال طالما بقيت هذه الحواجز أو السدود التي تتعارض مع الخشوع، وتقف حائلاً بين الإنسان وتحقيق الخشوع.
والهدف من التعرف على هذه الأسباب هو الحذر من أن يكون أي منها موجوداً لدينا أو في أنفسنا، ولمحاولة إزالتها إن وجدت؛ كي تفتح الطريق أمام النصائح لتأخذ مجراها، فبقاء هذه الأسباب أو أي منها يشكل سداً منيعاً لا يمكن للنصائح تجاوزه.

• عدم وجود الرغبة في الخشوع:

هذه النصائح لن تقدم شيئاً لشخص لا يرغب في الخشوع في الصلاة؛ لأنها نصائح لمساعدة من لديه الرغبة في الخشوع فقط، فالرغبة هي أساس كل عمل ناجح، وتوفرها لدى الإنسان يدفعه للإخلاص في عمله، وفي إتمامه على الوجه الأكمل، وتدفعه لتقبل كل نصيحة، وكل ما من شأنه أن يرفع من كفاءته في عمله، لذلك افحص شدة الرغبة وقوتها لديك، فإن لم تكن متوفرة فعليك زيادتها؛ لأن شدة الرغبة تتناسب تناسباً طردياً مع الإيمان الذي تحمله في صدرك، ولزيادة الرغبة في الحصول على الخشوع في الصلاة ينصح بقراءة القرآن، وتذكر الموت دائماً، والزيادة في الاستماع والقراءة عن أهمية الخشوع في الصلاة؛ كي تتولد لديك الرغبة أولاً، فتقبل على هذه النصائح إقبال طالب المساعدة والحاجة، لذا فإن أول نصيحة أوجهها هي التأكد من وجود الرغبة لديك في الخشوع في الصلاة، فإن لم تكن متوفرة لديك فلا تكمل بقية النصائح؛ لأنها لن تخلق رغبة أو تصنع خشوعاً لمن لا يريد الخشوع أصلاً أو لا يبحث عنه، إذن عالج أول نقطة لديك ومن البداية بزيادة إيمانك بالله أولاً، كي تتولد لديك الرغبة في الخشوع إليه ثانياً.

1. أكل الحرام:

إن أكل الحرام اعتداء على حقوق العباد، ويعني عدم رضاك على ما قسم الله لك، وهي محاولة من الإنسان أن يرزق نفسه بأي طريقة، ولو عن طريق الحرام، وهذا ضد التوكل على الله، وضعف إيمان بأن الله هو الرزاق، وآكل الحرام إنسان لا يرى عدل الله، فهو يرى أن حظه أقل من غيره، لذلك يعتدي على أموال الناس وعلى حقوق العباد، ومثل هذا الإنسان لن تكون علاقته مع الله علاقة محبة وتذلل، فالخشوع تذلل لله ومحبة وعبادة، فكيف لمن لا يرى عدل الله وحكمته في إدارة كونه أن يكون خاشعاً له.
وآكل الحرام إنسان استحل حرمة الله، فهو إنسان لا يخاف الله، ومن لا يخاف الله لا يخاف عقابه، وهذا كله يتناقض مع مهابة الله التي يجب أن تستحضر للخشوع في الصلاة، وآكل الحرام قد خالف الله علناً، فهل يخافه سراً عندما يكون في الصلاة.
وأكل الحرام يشمل أشياء كثيرة قد تخفى على البعض، فيظن بأنه السرقة المباشرة فقط، ولكنه أوسع من ذلك بكثير فهو يشمل أول ما يشمل أكل الربا والتعامل به، ويشمل سرقة الوقت من مكان العمل، ويشمل الإهمال وعدم الإخلاص في العمل، ويشمل التنافس غير الشريف في العمل والتجارة.

• الانشغال باللغو وفضول الكلام:
اللغو هو كثرة الكلام، والخوض في ما لا يهم ولا ينفع، وفضول الكلام هو الكلام الزائد الذي لا لزوم له، والاشتغال بهذه الأمور يملأ القلب بما لا يفيد، ويبعده عن ذكر الله وعن الاستغفار، فيصبح القلب بعيداً ولا يمكن استحضاره في دقائق ليكون خاشعاً لله. املأ قلبك بذكر الله ليكون متعلقاً به، قريباً منه، فيسهل عليك سرعة استحضاره. واللغو وفضول الكلام مليء بالأكاذيب والافتراءات والحقد والحسد والغيبة والنميمة، والمشتغل به يقوم للصلاة ويعود وفكره وقلبه مليء به، لذلك لن يستطيع الخشوع.

2. قسوة القلب والتكبر:

قسوة القلب من التكبر، والمتكبر لن يستطيع أن يتذلل لله؛ لأنه يرى نفسه أكبر من غيره، غني عن الجميع، ولا يرى إلا نفسه المتضخمة، الرافضة للركوع والسجود، وقد نفى الله عن المستكبرين الخشوع بقوله: ((إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ))(1). والقلب القاسي لا يتحرك أو يتأثر بالمشاعر الإنسانية الخفيفة، والخشوع يأتي من نفحات إيمانية تمر على القلب، فإن كان هذا القلب قاسياً فلن يشعر بهبات الإيمان عليه. لَيِّن قلبك بتذكر الموت، وأن الله أكبر وأنك غير دائم، بل زائل، والتكبر يأتي من شعور الإنسان بأنه يمتلك من القوة ما يغنيه عن الآخرين، وعن الله سبحانه وتعالى، ولو علم أن كل شيء بيد الله يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء، لما تكبر على الله ولا على عباده، بل ينصرف إلى شكر الله وحمده على ما به من نعمة وطلباً لاستدامة النعمة عليه، والله حذرنا من قسوة القلب عندما قال: ((فَوَيلٌ لِلقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِنْ ذِكْرِ اللهِ أُوْلَئِكِ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ))(2)،
ثم قال: ((تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ))(1).

• الاستماع للأغاني:

الغناء ينبت النفاق في القلب، ويعظم من قدر المحبوب حتى يوصله لأعلى المراتب وفي هذا تناقض مع الأصل وهو تعظيم الله، وتوجيه الحب كله لله، والغناء يدعو لتحقيق وتلبية شهوات ورغبات الجسد، والعبادة والخشوع يتطلبان كبح جماح الشهوات ورغبات الجسد، فالخاشع لله عبد قد خمدت نيران شهوته في نفسه، لذلك لا يجتمع الخشوع وحب الاستماع إلى الأغاني في قلب واحد، وكثير من كلام الغناء فيه استخفاف بالقضاء والقدر وعدم قبول به، والخشوع تعظيم لله القيوم على السماوات والأرض، فكل شيء يجري بإرادته، فكيف نتحدى الله في قضائه وقدره وإرادته ثم نخشع له، والغناء كله كذب ومبالغة، فمن تعلق به تعلق بالكذب، ومن ملأ قلبه به لن يجد مكاناً في قلبه لذكر الله، بل سوف يطفو على ذهنه شيء من قلبه الممتلئ بالأغاني، فيردد شيئاً منها وهو في الصلاة، فتصور إنساناً (يغني وهو في الصلاة)، والغناء مثير للشهوات، داعياً لها، جاعلاً منها هم الدنيا، لاغياً هم الآخرة، مركزاً على عبودية المحبوب، لاغياً عبودية الله، خاضعاً متذللاً لهوى محبوبه، وهذا كله بعكس ما يجب أن يكون عليه من تذلل وتعظيم وإجلال لله وحده سبحانه وتعالى، لذلك لا خشوع مع الأغاني التي تسكن القلب.


نصائح ما قبل الدخول في الصلاة

إن أمر الخشوع غير مقتصر على فترة الصلاة فقط، وإنما يتعدى ذلك إلى ما قبل الصلاة وإلى ما بعدها، فإنسان غارق في جلسة ضحك ولهو، لن يستطيع القيام إلى صلاة فيها خشوع، وكل عمل لا يستعد له لن يكون عملاً متقناً كاملاً، والأعمال المحببة للنفس يستعد لها الإنسان، بل قد يسبق وقتها بالتحضير لها عدة سنوات، وحيث أننا أمام أهم أعمال المسلم، ألا وهي الصلاة، وجب أن يكون لها تحضير يسبقها لتكون كاملة، فتثمر أفضل النتائج، وهذا لا يتحقق إلا من خلال تهيئة الأسباب. لذلك أدرج فيما يلي مجموعة النصائح التي يمكن للشخص الراغب في الحصول على الخشوع أن يتهيأ بها للصلاة، لتكون عوناً له على إفراغ القلب، من كل أهواء الدنيا، ومن كل ما يمكن أن يعطل حضوره، وعوناً أيضاً له على استحضار ذهنه، وتصفيته من كل ما يشغله.

• معرفة أسماء الله الحسنى:
ونقصد بها التعرف على من تعبد، فكلما ازدادت معرفتك بمن تعبد كلما ازداد صدق عبادتك له، فالعبادة بقدر الاستحقاق، والحب بقدر سمو الصفات، والتذلل بقدر الحاجة، والرهبة بقدر العظمة، وإذا كنت جاهلاً بمن تعبد، أو متجاهلاً فستكون عبادتك على قدر بساطة معرفتك، وحيث لا معرفة فلا عبادة ولا تذلل ولا خضوع، فلا أحد يخضع أو يحب من لم يعرفه بعد، أو يتذلل له أو حتى يرغب في لقائه، لذلك فالمعرفة شرط أساسي للخشوع، وبقدر معرفتك بالله يكونه خشوعك له.
ادرس الأسماء والصفات، افهم معانيها وعش معها؛ لتزداد علماً فتسمو نفسك بصفات من تعبد، ولتجد أنه هو الأجل المستحق لكل العبادة، فتقبل على عبادته محباً له، متذللاً، مقبلاً عليه لأنه ملجؤك، ومحاسبك وراحمك ومكافئك بدخول جنته.

• الصلاة تحتاج لزمن يجب تخصيصه لها:
يعتقد كثير من الناس أن الصلاة يمكن أن يؤديها هكذا دون حاجة لوقت يذكر، لذلك نادراً ما نرى أحداً من الناس يخصص جزءً من وقته للصلاة، يؤديها فيه، فالناس تعتبر أن الصلاة لا تحتاج إلى وقت، لذلك يمكن سرقة دقائق قليلة من العمل الذي تقوم به لتؤدي الصلاة، والصحيح هو أن يخصص جزءً من وقته للصلاة، لا يشغله بشيء غيرها، فمثلاً الساعة الواحدة تبدأ فترة الغداء في العمل، فيقول أبدؤها بصلاة الظهر، ثم الساعة الواحدة والربع أبدأ بتناول الغداء، وهكذا كل الصلوات.
وأحترم هذا الوقت المخصص للصلاة، ولا أضرب موعداً مع أحد يتضارب مع الوقت الذي خصصته للصلاة، ولا أخرج في غرض لا أتمكن فيه من أداء الصلاة في وقتها، فاحترامك لهذا الوقت المخصص للصلاة يدل على مدى اهتمامك بموعدك مع رب العالمين، وشدة حرصك عليه، فلا تضيعه، ولا تسرق منه شيئاً.

• الوقت الذي تستغرقه صلاتك زكاة عن بقية وقتك، كزكاة الأموال:

كثير من الناس يحاول أن يوفر من وقت الصلاة، ولكن لو علمنا أن الوقت الذي نقضيه في الصلاة هو صدقة عن العمر الزمني الذي وهبنا الله إياه، وبركة لبقية الوقت الذي نقضيه في إنجاز أعمالنا الأخرى، وأن الله عندما يبارك لنا في أوقاتنا فإن ذلك يعني عدم إضاعتها علينا في أمور لم تكن تخطر ببالنا، أو في أعمال نشعر أنها مجرد إضاعة للوقت ليس إلا. إذنً فلنضع هذه الفكرة أمام أعيننا وهي "أن الوقت الذي تستغرقه الصلاة منا صدقة عن بقية أوقاتنا، فلا نبخل على الله في أن نؤدي الصلاة على أكمل وجه وأتمه"، فإذا كان الأمر كذلك، فلنطمئن في صلاتنا ولا ننقرها نقراً، ولتأخذ منا وقتها الطبيعي، لنكون من الخاشعين بإذن الله، ولنتصدق بجزء من وقتنا كما نتصدق بجزء من أموالنا، زكاة لها تطهرها من أي مال دخل فيه، كان فيه شبهة أو حرام، وكذلك الوقت قد نصرف جزءً منه في معصية الله أو شبهة، فيكون وقت الصلاة صدقة وزكاة منا نطهر بها ونبارك بقية أوقاتنا.

• الوضوء السليم جزء ومقدمة للخشوع:

الوضوء عبادة لله، فإن أنت قصدت أن تصلي بخشوع، فعليك إعطاء أهمية أكبر للعملية منذ ابتدائها، بالاهتمام أكثر بعملية الوضوء، فأنت مقدم على عمل ترجو له القبول عند الله تعالى، ولا ترغب في أن يكون عملك مردوداً عليك، بسبب أنك لم تحسن الوضوء، أو لم تعط كل عضو حقه، فكلما زاد اهتمامك وتعظيمك للصلاة المقدم عليها كان اهتمامك بعملية الوضوء أكبر، لذلك ابدأ بإعطاء أهمية أكبر لعملية الوضوء، لأنها عملية الاستعداد وتهيئة النفس للعبادة، فتقبل على الصلاة وأنت مهيأ نفسياً وجاهز للخشوع في الصلاة، وفي الحديث الشريف: "إذا توضأ أحدكم فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد لا ينزعه إلا الصلاة، لم تزل رجله اليسرى تمحو عنه سيئة، وتكتب له اليمنى حسنة، حتى يدخل المسجد"(1).

ولك أن تحكم بنفسك على حالة عدم الاهتمام بالوضوء، بنثر الماء، أو التحدث مع الاخرين أثناء الوضوء، أو ترديد أغنية، فهل نتوقع أن يؤدي مثل هذا الوضوء لصلاة فيها خشوع، لا؛ لأن المقدمات تنبئ بالنتائج، قارن ذلك مع إنسان يبدأ الوضوء بالبسملة، ثم ذكر الله والتسبيح وينهيه بِـِ "اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين"، وأثناء غسله لكل عضو يتذكر ما اقترفه العضو من آثام، فيرجو الله أن يغفر له ما اقترفه بهذا العضو، وأن يعفو عنه، ويدعو ويأمل من الله عز وجل أن يحفظه مستقبلاً من كل إثم، ومن كل زلل يمكن أن تقترفه يداه أو تمشي له قدماه، أو يزل به لسانه، ويرجو الله أن يجعل كل ما يدخل جوفه من الحلال، وأن يحفظ له عيناه من كل نظرة حرام يمكن أن تنظر إليها عيناه، وأن يجعل الله له نوراً في عينيه وفي وجهه، وأن يطيب الله له رائحة ما يشم بأنفه، وأن يطيب له رائحة فمه وبدنه، فلا يكون أذية للناس تنفر من رائحته، بل طيب يجلب إليه الأحبة والناس. تذكر شيئاً من ذلك عند الوضوء، وستجد أن العملية ليست مجرد غسل أعضاء، وإنما عبادة أيضاً وتقرب إلى الله وتهيئة لما هو أكثر من ذلك.


• استخدم السواك أو الفرشاة في الوضوء وقبل الصلاة:

إذا كان استعداد الإنسان لأداء عمل ما عالياً فذلك يعني أمرين:
الأول: اهتمام الإنسان بما هو مقدم عليه، والثاني: رغبته في أن ينجز العمل المقدم عليه على أكمل وجه؛ فإن زدت من استعدادك للصلاة باستخدام السواك فهذا يعني اهتمامك بما أنت مقدم عليه وبرغبتك في إتمامه على أكمل وجه، فيكون ذلك سبباً لمزيد من الخشوع في الصلاة، إضافة إلى أنك تبعد عن نفسك ما يمكن أن يشغلك عن الخشوع في الصلاة من بقايا طعام في الفم، أو رائحة فم كريهة تحرجك، فتجعلك حرجاً من أن تؤذي أحداً برائحة فمك، فتخرجك من الخشوع، فتذكر أنك كلما بذلت جهداً لشيء كي تخرجه متكاملاً، كلما دل على صدق إقبالك على أدائه على أكمل وجه، وفي أهمية السواك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة"(1).

• كن دائماً على وضوء:

يقول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف: ". . . ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن"(1)، إشارة إلى أن المحافظة على الوضوء علامة من علامات الإيمان، وحيث لا خشوع إلا للمؤمن، فلنثبت أولاً إيماننا بالله تعالى، بالمحافظة على الوضوء باستمرار، ثم لنعبر عن استعدادنا للصلاة، بأن نكون جاهزين للصلاة في أي وقت تقام به، فتقبل عليها كأنك جندي جاهز دائماً للمعركة، تستطيع أن تلبي النداء في أية لحظة، فلا يثقل الأمر عليك، ولا يضعف إقبالك على الصلاة فتؤخرها، أو تفوتك صلاة الجماعة بسبب عدم جاهزيتك، والطهارة الدائمة سبب في إحاطة الملائكة بالإنسان ما دام على وضوء، وعدم الطهارة سبب في جلب الشياطين، لأنها لا تقرب المتطهرين، فإذا ما حفت بك الملائكة سكنت جوارحك وخشعت، وابتعدت عنك الشياطين، وصفا فكرك وقلبك، فأنت في أمان من وسوستها، وأصبحت أقرب إلى الخشوع.


• لا تقدم على الصلاة وأنت في شك من وضوئك:

هذه حالة نفسية يجب أن نتجنبها، فإذا كنت في شك من وضوئك فإنك سوف تكون شاكاً في صحة صلاتك، والشاك في صلاته لا يكون خاشعاً لأنه لن يعطيها حقها من الركوع والسجود وحسن التلاوة، فلديه شعور أنها ربما تكون غير مقبولة، فكيف سيبذل جهداً في شيء لا ثواب عليه، جدد وضوءك عند شكك به، وادخل صلاتك وأنت مطمئن لوضوئك، ولا تدع هذا الأمر يشغلك، ويسرق منك خشوعك، طالما يمكنك تفاديه والانتهاء منه بتجديد الوضوء، وفي ذلك مزيد من العبادة.

• لا تقبل على الصلاة وأنت تدافع الأخبثين:

تقدم في معنى الخشوع أنه الانسجام التام والكامل ما بين الجسد والعقل والروح، فإذا كان الجسد مشغولاً بمدافعة آلامه وشاغلاً معه العقل والقلب في ذلك، فمن الذي سوف يصلي ويخشع، وإن كنت ممن لا يرغب في تجديده، فأنت لست ممن يبحث عن الخشوع، بل أنت ممن يبحث عن الراحة، على الرغم من أن ذلك ليس من الراحة للجسم، لأن راحة الجسم في تخليصه من سمومه، وتنشيطه بتجديد الوضوء، وبذلك أمرنا الرسول صلى الله عليه وسلم حين قال: "لا صلاة بحضرة طعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان"(1)، وإذا كانت حجتك إدراك وقت الصلاة؛ فالصلاة لها وقت لتؤدى فيه، وزمن معين يجب تخصيصه لها، لا يشغلنا فيه شيء من أمور الدنيا فقد خصص للصلاة.

• اختر اللباس المناسب للصلاة:

لا شك أن اللباس الحسن الطيب النظيف يبعث الراحة في نفس مرتديه وفي من حوله، مما يجعله أكثر تهيؤاً واستعداداً للصلاة والخشوع فيها، لأن نفسه مرتاحة ومطمئنة لما ترتدي، وبعكس ذلك فإن اللباس غير النظيف وغير المريح يحرج صاحبه، ويشغل فكره ويتعبه، فلا يكون مرتاحاً نفسياً وهو يؤدي الصلاة، مما يجعله غير قادر على التركيز والخشوع في الصلاة.
ولا شك أن طبيعة اللباس الذي يرتديه الإنسان يعكس أثراً نفسياً على مرتديه، فاللباس الرياضي يعطي الشعور الرياضي للإنسان والرغبة في ممارسة الرياضة، واللباس الرسمي يعطي الشعور بالجدية للإنسان ويفرض عليه نوعاً معيناً من الحركة والتصرفات، كما أن اللباس الفضفاض (الثوب) يعطي نوعاً من الشعور الديني لصاحبه، فإن كان كذلك فلنختر للصلاة ما يناسبها، ولنبتعد عن أدائها بلباس النوم وغيره مما لا يليق بها، ولا يليق بالوقوف به بين يدي الله عز وجل، فمن إجلال الله وتعظيمه أن نقابله بما يليق به، وأن نبتعد عن كل ما يمكن أن يقلل من عظمة الصلاة وعظمة المعبود، فكما قال نوح عليه السلام:
(مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً)(1)
فما لا نرضى أن نقابل به مسؤولاً في إحدى دوائر العمل أولى ألا نقابل به رب العالمين، واللباس الذي نخجل من الذهاب به إلى إحدى الدوائر الرسمية، يجب علينا أن نخجل من الذهاب به إلى المساجد، فالله أمرنا بأن نأخذ زينتنا عند كل مسجد، واللباس جزء من هذه الزينة إن لم يكن أعظمها، وفي ذلك يقول الله تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِد)(لأعراف: من الآية31).
ولعلنا نذكر جيداً بأن بعض الحفلات المجون وأندية الملاهي (الراقية في مفهومهم)، تشترط على زبائنها ارتداء لباس السهرة الخاص، ولا تسمح بالدخول لمن يرتدي ملابس من المفيد جداً أن نتعرف على هذه الأسباب التي تشكل سداً مانعاً أمام الخشوع في الصعادية ، أو ملابس الكاوبوي ، فأيهم أحق بحسن اللباس، الوقوف بين يدي الله أم حفلات المجون هذه.

3. اختر مكاناً مناسباً للصلاة خالياً من الصور والملهيات:

قلنا في تعريف الخشوع أنه مبني على الحضور الذهني، فإذا ما انشغل الفكر في أي شيء غير الوقوف بين يدي الله فإنه لن يتم له الخشوع في الصلاة؛ لأن الأساس الذي سوف يبنى عليه الخشوع قد فقد بفقد الوعي لما يقوم به الجسد من حركات، وما ينطبق به اللسان من كلمات.
وأكثر ما يشتت فكر الإنسان وجود تصاوير مختلفة أمامه، عند تأدية الصلاة ينظر إليها فيفكر بها، فتشغله عن متابعة أمر الصلاة وهذا الأمر شكا منه رسول الله  بنفسه عندما أمر السيدة عائشة بإزالة الثوب الذي كان أمامه وفيه تصاوير لأنها شغلت فكره في الصلاة، عن أنس رضي الله عنه قال: كان قرام ( وهو ستر فيه نقش ) لعائشة سترت به جانب بيتها، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم :"أميطي عنا قرامك هذا، فإنه لا تزال تصاويره تعرض لي في صلاتي".
وعليه فإن كثرة الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والإعلانات والرسومات في صدر الجامع واستخدام النقوش والألوان فيها بكثرة، باعث على عدم الخشوع في الصلاة فيفضل عدم الإكثار منها أو إزالتها لأنها تشتت ذهن المصلي، ويفضل وضع كل ذلك في الخلف وليس أمام المصلين، فإن وجدت فعليك تجنب الوقوف أمامها ما استطعت إن كنت تشعر بأنها تؤثر على خشوعك في الصلاة، وهذا ليس أمراً معيباً، وهو أكثر راحة من محاولة طردها من الذهن.

4. أحذر من الصلاة في الممرات والأدراج وأمام الشبابيك المطلة:

الممرات والأدراج أماكن لمرور الناس وعبورها، فإذا ما وقفت لأداء الصلاة فيها فإنك معرض لأن يمر الناس بين يديك أو من جانبك مما يشتت فكرك ويحرمك من الخشوع، فاحرص على ألا تقف في مثل هذه الأماكن لأداء الصلاة، ولا أمام شبابيك مطلة على الشارع العام أو على بيوت الآخرين لأن في ذلك تشتيتاً لفكرك.
والشياطين يكثر وجودها عند الأبواب وفي الممرات، لذلك ابتعد عن أماكن وجودها، تجنباً لوسوستها وعبثها بالإنسان لإخراجه من خشوعه إن لم تخرجه من صلاته كلها.
كذلك لا يفضل الصلاة في الأماكن ذات الضجيج والضوضاء أو ذات الحر الشديد أو البرد الشديد ولا وقت الحر الشديد، لأن كل ذلك يذهب بالخشوع والسكينة لشدة تأثيره على الجسم وسلب الراحة منه فيفسد بذلك الخشوع. ولقد وجهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك عندما أمرنا بأن نبرد للصلاة أي نصليها بعد ذهاب وهج الحر فقال: "أبردوا بالظهر".

5. عين ما تريد قراءته من القرآن الكريم قبل الدخول في الصلاة:

لا تدخل إلى الصلاة وليس في ذهنك رؤية واضحة للآيات التي سوف تتلوها في صلاتك، فأنت تحضر الكلمات التي سوف تقولها لمدرائك قبل الدخول عليهم، ولا تدخل هكذا خالي الذهن، عين ما تريد قراءته سلفاً قبل الدخول في الصلاة لتجد أن حضورك الذهني لما تقرأ أصبح أعلى بدرجات، فلا يشت ذهنك في البحث عن ما سوف تقرأ، ولتجد أن أرضية الخشوع أصبحت جاهزة وتهيئ لك سبباً للخشوع.
كما أن التعيين المسبق لما تريد قراءته من القرآن الكريم في كل ركعة يبعد عن صلاتك الآلية التي هي صفة صلاتنا في هذه الأيام، والتعيين يساعدك على التيقن من عدد الركعات التي أديتها أو التي بقيت عليك من خلال معرفتك المسبقة لما سوف تقرأ، أو ما قرأته في كل ركعة، وأنني أنصح بشدة بأن تبدأ بتطبيق هذه النصيحة (إن لم تكن مطبقاً لها) لترى كيف سوف يتحسن مستوى الخشوع لديك مباشرة من خلال تطبيق هذه النصيحة فقط لأن بعض النصائح لها أثر مباشر وبعضها أثره غير مباشر وبعضها تحذيرات من الأشياء التي تمنعك من الخشوع .

6. احرص على أن تصلي جماعة في المسجد:

لصلاة الجماعة في المسجد دور في تنمية الخشوع في الصلاة ورفع درجاته من حيث أنك مقيد بصلاة الإمام، والتي من المفروض أن تكون على مستوى عال وجيد من حسن التلاوة وبلوغ حد الطمأنينة، فهي صلاة غير متسرعة، فيها هدوء وسكينة في الحركات ويغلب عليها الخشوع.
أ‌. صلاة الجماعة تعطيك أهمية لما تقوم به من عمل، وذلك عندما ترى الجمع الغفير من الناس يشاركونك وتشاركهم في تأدية الصلاة في وقتها، فيعظم أمر الصلاة في قلبك وتزداد لها حباً وتزداد لها خشوعاً.
ب‌. هي مدرسة نتعلم فيها من الإمام السكينة في الصلاة والسكينة في الركوع والسجود، فيتكون لدينا مقياس لحد الطمأنينة والوقت الذي يجب أن تستغرقه الصلاة، فنعرف منه إن كنا نسرع في صلاتنا الفردية خارج الجماعة أم لا، وحين نستمع إلى حسن تلاوته يزداد إحساسنا يوماً بعد يوم بأصول التلاوة.
ج. هي أكثر ثواباً بخمس وعشرين درجة كما جاء في الحديث الشريف: "صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته في بيته وصلاته في سوقه خمساً وعشرين درجة"،وحيث أننا نبحث عن المزيد من الحسنات فصلاة الجماعة توفر لنا ذلك.
د. صلاة الجماعة توفر لقاءً متجدداً بين الأخوة المصلين يعزز العلاقة بينهم وتكون سبباً لزيادة المحبة وبث الراحة النفسية بينهم مما يساعد على الخشوع.

7. احرص على الذهاب للمسجد قبل الإقامة بسكينة وداعياً الله:

تقدم أنه يجب تخصيص جزء من وقتنا للصلاة، فلا ننزع هذا الوقت من أعمالنا نزعاً، ولا نسرقه سرقة، بل نضيف عليه جزءاً آخر لحاجة الطريق إلى المسجد، فالذهاب مبكراً للمسجد يريحك من الهرولة التي قد تسبب لك ضيقاً في التنفس، فتدخل الصلاة وتخرج منها وأنت ما زلت تلهث، فتفقد بذلك فرصة الخشوع، كما أن حضور إقامة الصلاة في الجامع والاستماع إليها وتلبيتها من البواعث القوية في النفس على الخشوع وإدراك الصف الأول أولى من الصلاة في أي مكان تحصله نتيجة تأخرك، أما الدعاء وذكر الله والتسبيح طوال الطريق والسير إلى الصلاة بسكينة، فما هو إلا مقدمة ضرورية لإفراغ الفكر والقلب من مشاغل الدنيا وإملائه بذكر الله استعداداً للخشوع، ففي الحديث النبوي الشريف: " إذا ثوب للصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا، فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة فهو في صلاة "، ولقد كان الصحابة رضوان الله عليهم حريصين على حضور التكبيرة الأولى من الصلاة، فلم تكن تفوتهم إلا كل عدة سنوات مرة، وذلك لشدة حرصهم على أن يدركوها ويدركوا الصف الأول.

8. احرص على أن تصلي في الصف الأول ، ما استطعت:

يحرص الجميع دون توصية على الصلاة في الصف الأول لما للصلاة في الصف الأول من فوائد ومنافع لا تحصى ولا تخفى على أحد، ولما لها من الأثر الطيب على الخشوع في الصلاة ونذكر أنفسنا بالتالي منها ونبين علاقته بالخشوع:
صلى الله عليه وسلم أعظم ثواباً: فعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا "، أي أن فيه من الأجر المخفي والفائدة والحكمة ما لو علموه لما تركوه لأحد دون أن يتنازعوا عليه للصلاة فيه، فلا يجدون إلا أن يجعلوها قرعة فيما بينهم في كل مرة لمن يريد الصلاة في الصف الأول ، وفي الحديث الشريف: " إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول "، فمن كان همه رحمة ربه ورضاه فليحرص على الصلاة في الصف الأول للفوز برضى الله ورحمته، وصلاة الله وملائكته على العبد سكينة تتنزل عليه تغشاه فتجعله مطمئناً خاشعاً لله.
* أكثر سكينة: لو دققنا النظر في نوعية المصلين في الصف الأول لوجدناه مشغولاً بمن أنعم الله عليهم بالإيمان من كبار السن ذوي السكينة، والصلاة معهم لها أثر في النفس من حيث المشاركة في السكينة والخشوع ليس كالأثر الذي تتركه في النفس الصلاة في الصفوف الخلفية التي قد يكثر فيها الأطفال وكثيرو الحركة من الناس أصحاب التصرفات الشاذة التي تذهب بالخشوع.
* أقل تشتيتاً : كونك في الصفوف الخلفية يعني أن أمامك مصل قد يكون على لباسه أنواع من التصاوير أو الزخارف أو العبارات التي قد تشغلك وتلهيك عن الخشوع في الصلاة، فينشغل بها فكرك تفكيراً وتحليلاً، وربما يكون أمامك شاب أمرد أو شخص ذو عاهة أو شخص يقف بشكل مائل غير لائق بالصلاة أو غير ذلك من الأمور التي لا تعد ولا تحصى، فينصرف فكرك إلى التفكير في هؤلاء وكيف يقفون بين يدي الله هذه الوقفات مما يشتت تفكيرك ويذهب بخشوعك، وهذا كله لا تواجهه في الصفوف الأمامية بل في الصلاة في الصفوف الخلفية فقط.
* أكثر استعداداً : عندما تكون في الصف الأول فإنك لا ترى أمامك إلا الإمام، وهذا يعظم أمر هذه الوقفة في نفسك، ويعطيك ثباتاّ وثقة أكبر بالنفس وشعوراً بالمسؤولية كأنك في معركة تقف فيها في الصف الأول خلف القائد.

وأخيراً يكثر الشقاق والنزاع في الصفوف الخلفية على أي شيء وعلى كل شيء، مما قد يثير غضبك فتدخل الصلاة وأنت غاضب من الموقف، فيكون ذلك سبباً في عدم خشوعك لانشغال فكرك بالنزاع، وهل هم على حق أم أنت الذي على حق، ويسرح فكرك تحسراً على أمر المسلمين الذين يختلفون على كل شيء وحتى وهو في الصلاة، كل ذلك بعكس الصلاة في الصف الأول مع من لا يثيرون أية مشكلة، فالأمور لديهم واضحة وثابتة ومبتوت بها فلا خلاف ولا نزاع، فلديهم من سعة الصدر ما يستوعبون به أي تجاوز من قبل أي أحد، ولديهم من الإيمان ما يمنعهم من إثارة أي خلاف أو شقاق قد يذهب بخشوع الجميع.

9. لا تصل وراء إمام لا تشعر بالخشوع خلفه؛ ابحث عن غيره:

ربما يكون إمام المسجد الذي تصلي فيه والقريب من مكان بيتك ليس على درجة من الكفاءة بالقراءة أو الخشوع في الصلاة أو أن لك على سلوكه بعض علامات الاستفهام أو أن له من الفتاوى ما ترفضه أو أن له انتماءً حزبياً يحاول أن يفرضه أو غير ذلك من الأسباب التي لا تحصى، وأياً كان السبب فإن هذا يجعلك غير قانع بالصلاة خلفه، وبالتالي يحرمك من الخشوع خلفه لعدم قناعتك به أن يكون إمامك، وبغض النظر إن كنت محقاً في تحفظاتك عليه أم لا، فلا تضع صلاتك دون خشوع بسبب الإمام؛ فالصلاة التي تصليها لا تعوض، اذهب إلى مسجد آخر لعلك تجد إماماً آخر يمكن أن تشعر خلفه بالخشوع أكثر، أو ابحث أسباب تحفظاتك على الإمام مع الإمام نفسه أولاً أو مع الأصدقاء فقد تزول الأسباب وتكسب الخشوع.

10. قم بزيارات لبعض المساجد التي يشهد فيها للإمام بالكفاءة لتخشع خلفه:

لا شك أن هنالك كثيراً من أئمة المساجد يشهد لهم بالصلاح وحسن التلاوة والخشوع في الصلاة، لا تحرم نفسك من زيارة مثل هذه المساجد والصلاة خلف مثل هؤلاء الأئمة ولو مرة في الشهر لتشعر خلفهم بالخشوع في صلاتك وتستمتع بقراءتهم، فيتولد لديك شعور بالرغبة في أن تكون كل صلواتك على هذا المستوى، ولا شك أنك سوف تتعلم منه الشيء الكثير لتطبقه في صلاتك، وكلما تنوعت زياراتك وزاد عددها تعلمت أكثر وزادت معرفتك بأصول الصلاة الصحيحة السليمة التي فيها خشوع، ولربما تجد بعد تجوالك أن إمام مسجدك أفضل من غيره بكثير، وهذا بحد ذاته مكسب كبير؛ فهو يعزز من صلاتك خلفه بعد أن زرت كثيراً من المساجد فوجدته خيراً من غيره، أما بقاؤك متردداً على مسجد واحد وإمام واحد فيعني عدم رغبتك في التطوير، وأن الصلاة قد أصبحت عندك عادة، وأنك تصلي قضاءً للفرض ليس أكثر.

11. إذا سنحت لك الفرصة أن تصلي إماماً فلا ترفض :

من طبيعة البشر أنهم إن كانوا مراقبين أثناء تأديتهم لأعمالهم فإنهم يتقنون صنعتهم لاهتمامهم برضى من حولهم، وفي بداية طريقنا لتعلم الخشوع وتحسين مستوى الأداء في الصلاة فلا مانع من أن نستغل هذه النقطة في النفس البشرية بأن لا ترفض أن تصلي إماماً بالأهل أو الأصدقاء أو العمل إذا طلب منك ذلك أو سنحت لك الفرصة، كي تجد نفسك بأنك بحاجة إلى تحسين مستوى القراءة لديك، وحفظ المزيد من الآيات والاهتمام بحسن حركة الركوع والسجود والاطمئنان فيهما، هذا الشعور هو ما نريده منك، وهو الهدف من قبولنا لوقوفك إماماً؛ لأن هذا الشعور سوف يكشف لك أخطاؤك ويقودك إلى التحسين والتطوير وإلى المزيد من حفظ الآيات، وهذا كله يعتبر تقدماً في حسن أداء الصلاة، هذا التقدم سوف يمتد أثره إلى صلاتك عندما تكون فرداً فيتحسن مستوى صلاتك عامة، وإن استمر الاهتمام لديك بالتطوير والتحسين فسوف تصل إلى المستوى المطلوب من الحضور الذهني لكل حركة تقوم بها وكل كلمة تنطق بها، وعليك تتويج عملك هذا بحضور القلب لتحصل على الخشوع التام.
ورب قائل بأن الاهتمام بالصلاة من أجل الناس فيه شرك بالله، فأقول إنما هذه مرحلة نمر بها وعلينا الاستفادة منها، فكثير منا صلى في البداية لأن أباه يريد منه أن يصلي، فكانت صلاته بداية مرضاة لأبيه، ثم بعد فترة من الزمن بدأنا نشعر بأنها أصبحت عبادة لله، وأنك نسيت أمر أبيك لما لمسته من خير وسعادة في الصلاة، وحيث أن هدفنا هو الوصول للخشوع في الصلاة، وهو هدف خالص لوجه الله، فلا مانع من أن نستفيد في المرحلة الأولى من تعلمنا للخشوع، وهي مرحلة مؤقتة، من بعض خصائص النفس البشرية ونوظفها لمصلة عليا هي زيادة درجة خشوعنا، ونذكر بأن نصيحتنا هي أن لا ترفض الصلاة إماماً إن طلب منك ذلك ولم يكن هنالك من هو أكفأ منك، ولم نوصِ بأن تحشر نفسك حشراً إماماً في الناس.

12. احرص على أن تستمع للأذان وأن تردد ما يقوله المؤذن ففيه تعظيم لأمر الصلاة:

نلاحظ في سلوكنا في الحياة الدنيا أن الأمور الهامة يدعى إليها بالطبول أو البوق أو المدافع أو بعزف السلام، والله شرع لنا ما هو أجمل من ذلك بكثير، بل لا وجه للمقارنة أبداً، فأسلوب دعواتهم غير مفهوم ولا يحمل أي معنى وبنفس اللحن، في حين أن دعوة الله جاءت بكلام واضح مفهوم عالي المعاني وبألحان عدة تأتي بحسب قوة صوت المؤذن وجمال صوته، هذا الأذان إذا فهمناه واستشعرنا معانيه ورددناه لخف المؤذن فسوف يملأ القلب بحب الله وبالرغبة والسرور في تلبية دعوة الله في أداء الصلاة والإقبال عليها بحب وشوق يؤدي للخشوع في الصلاة، وهذا كله لا يأتي إلا بعد فهم معاني الكلمات التي ترد في الأذان؛ فـ ( الله أكبر .. الله أكبر ) إن استوعبناها ملأت قلوبنا عزة بالله، فهو أكبر من كل شيء، والنطق بالشهادة تجديد للإيمان وللتوحيد، ( وحي على الصلاة ) هي دعوة الله سبحانه وتعالى لنا للفلاح، فما أجمل تلبية هذه الدعوة بطلب القوة من الله كي يعيننا على تلبية النداء فنقول ( لا حول ولا قوة إلا بالله ).
لذلك فلنحرص على فهم المزيد من معاني الأذان، ولنردده خلف المؤذن كما أمرنا رسولنا صلى الله عليه وسلم فإنه يستحب لمن يسمع المؤذن أن يقول مثل ما يقول المؤذن إلا في الحيعلتين (حي على الصلاة .. حي على الفلاح) ، فإنه يقول عقب كل واحدة (لا حول ولا قوة إلا بالله)، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن".وعن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من قال حين يسمع النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة". ويستحب لنا الإكثار من الدعاء بعد الأذان وقبل الإقامة، فعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا يرد الدعاء بين الأذان والإقامة"، وفي رواية قالوا: ماذا نقول يا رسول الله؟ قال: "سلوا الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة".

13. اقرأ عن صفة صلاة الرسول صلى الله عليه وسلم واجعلها قدوة لك:

إذا أردنا الكمال في سلوكنا فليس لنا إلا رسول الله القدوة الحسنة، وإذا أردنا الكمال في الصلاة فليس لنا إلا صلاته عليه السلام لتكون لنا القدوة الحسنة، لذلك اقرأ عن صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن عدة مصادر وليس من مصدر واحد، حتى تصل إلى كبد الحقيقة فتتبعه، فبعض الجهات تحاول أن ترسم هيئات معينة لصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم مدعية أنها هي الصحيحة وما عداها خاطئ، لذلك فليكن مصدرك أكثر من جهة، ولا شك أن التشبه بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم يعزز لديك الشعور بالكمال في صلاتك، وهو تعبير عن مدى حبك للرسول صلى الله عليه وسلم بتأسيك بصفات صلاته ومحاولة اتباعها، وبالتالي الحصول على الخشوع في الصلاة ، ولا يتسع المقام هنا لذكر أي شيء عن صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم لأنها ليست كلمات يمكن أن نوردها، وإنما هي مدرسة كاملة لمن أراد أن ينهل منها ليرقى بأدائه في صلاته ، ومن بين الكتب التي يجب أن ألا تنسى عند القراءة عن هذا الموضوع كتاب " زاد المعاد " لابن القيم عليه رحمة الله.

14. كن على علم بجميع الصلوات فالجهل يحرجك ويخرجك من خشوعك:

الصلوات ليست كلها نوعاً واحداً؛ فهنالك صلاة العيد وصلاة الجنازة وصلاة التراويح وصلاة التسبيح وصلاة الاستسقاء وصلاة الاستخارة وغيرها، فإن كنا حريصين على أن تكون صلاتنا دائماً بخشوع يجب علينا أن نكون على علم بكيفية أداء كافة أنواع الصلوات، حتى لا نحرج أنفسنا أو نفقد الخشوع أثناء أدائها لقلة علمنا بكيفية أدائها أو نخلط بينها، لذلك احرص على أن تكون على علم بكيفية أداء كل أنواع الصلوات، فتدخل أياً منها وكلك ثقة ومعرفة بها، فتزداد خشوعاً بدلاً من أن تفقده فيها، وكن على علم بكيفية أداء سجود السهو، فقد يرد وأنت مأموم، فلا تجعله يخطف منك الخشوع إذا فوجئت به.

15. أكثر من الاستماع إلى تسجيلات قراءات أئمة المسجد الحرام والمسجد النبوي، ففيها النموذج لحسن التلاوة والخشوع:

لقد منَّ الله علينا بالبيت الحرام والمسجد النبوي، ورزق المسجدين بمجموعة من الأئمة جعل الله في صوتهم من الجمال والروعة في التلاوة ما يخشع له القلب وتسمو به النفس إلى خالقها ببركة هذا القرآن الذي يتلى في نفس المكان الذي أنزل فيه، وكل من شرفه الله بزيارة هذه الأماكن يشعر بالروحانية العالية التي تغشاه سواء قرب قبر النبي صلى الله عليه وسلم أو بجوار الكعبة المشرفة، ويجد نفسه هنالك أكثر خشوعاً في الصلاة، ويزيده خشوعاً جمال وروعة تلك التلاوات التي يؤديها الأئمة هنالك، ويبقى أثر تلك القراءات في نفس الإنسان المؤمن لمدة من الزمن بعد عودته من تلك الزيارة، وحتى يبقى ويستمر أثر تلك التلاوات في النفس، وكي تستعيد شيئاً من خشوع تلك اللحظات ننصح بأن تستمع إلى تسجيلات من هذه التلاوات لتستعيد جزءاً من ذلك الخشوع وتجدد من ذكرياتك عن تلك الزيارة فيغشاك شيء مما غشاك من خشوع هناك؛ فيساعدك ذلك على الخشوع في الصلاة.

16. لا تصلِّ بحضور الطعام، كل أولاً ثم صلِّ:

كثير من الناس يعطون أهمية كبيرة لعملية الأكل ويحرصون عليها، لذلك ينصح هؤلاء بتناول الطعام أولاً، ومن ثم القيام إلى الصلاة؛ كي لا يكون فكرهم معلقاً بالطعام، فالخشوع كما تقدم يلزمه صفاء ذهني وراحة نفسية ليبنى عليهما الخشوع، وفي تناول الطعام أولاً إراحة للجسم من إحدى حاجاته الأساسية وفيه راحة لبقية أفراد الأسرة من انتظار أحد أفرادها حتى ينتهي من أداء الصلاة، وبذلك نضمن ألا يحدث الانتظار أي أثر سيئ تجاه الصلاة من قبل أحد المنتظرين.
وفي ذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : "إذا أقيمت الصلاة وحضر العشاء فابدؤوا بالعشاء"، والعشاء هنا معناه الطعام وفي حديث آخر: "إذا وضع عشاء أحدكم وأقيمت الصلاة فابدؤوا بالعشاء ولا يعجل حتى يفرغ منه"، وهذه النصيحة خاصة في الحالات التي يصدف فيها اجتماع الأكل مع وقت الصلاة، أما الأصل فهو تخصيص وقت للصلاة لا يتعارض مع وقت الأكل أو غيره.

17. لا تصلِّ والناس ينتظرونك لحاجة، اقضِ حاجتهم ثم صلِّ:

إذا قمت إلى الصلاة وكان هنالك أشخاص ينتظرونك لتقضي لهم حاجة، فإن فكرك سوف يكون مشغولاً بحاجتهم فلا صفاء ذهني ولا تركيز، وربما تدفعك رغبتك بقضاء حاجتهم إلى الانتهاء من الصلاة بسرعة دون تركيز أو خشوع، فتخسر بذلك خشوعك وصلاتك، وربما يحدث العكس؛ فيدفعك وجودهم إلى التحسين في صلاتك على غير ما تؤديها عادة لو كنت وحدك، فيدخل بذلك الرياء إلى قلبك، فينعكس الخشوع إلى نفاق ورياء، ولربما يكون من بين المنتظرين أشخاص لا تربطهم بالصلاة علاقة ( لا يصلون )، فينظرون إلى قيامك للصلاة على أنه تهرب من قضاء حاجتهم، وأنك اتخذت من الصلاة مهرباً، فيزرع ذلك أثراً سيئاً في أنفسهم عنك وعن الصلاة وعن كل المصلين، وليس هذا هو الأثر الذي نسعى لأن نتركه في نفوس الناس عن الصلاة والمصلين وخاصة عند مثل هؤلاء.

18. إذا تأزمت بالوقت فلا تسرع في الصلاة، صلِّ بتأنٍ وأجِّل أو الغِ السنة:

لا يخلو الإنسان من الانشغال أحياناً أو النسيان فيقوم إلى الصلاة وقد أدركه الوقت ولم يبق على الصلاة التي تليها شيئاً يذكر، لذلك نراه يسرع في صلاته رغبة في إدراكها قبل حلول الصلاة التي تليها متخلياً بذلك عن السكينة والطمأنينة، وهذا التصرف ليس صحيحاً، فحتى في مثل هذه الحالات لا تسرع في صلاتك وتؤديها دون خشوع، فتنقرها نقراً رغبة في إدراك الوقت؛ لأنه في مثل هذه الحالة لا يسجل لك من صلاتك شيء، وتكون قد خسرت ثواب الصلاة كلها وليس الخشوع فقط، لذلك تأن وصل الفرض منها فقط واترك السنة، ولكن مقابل الطمأنينة والخشوع في أداء الفرض منها، فيكتب لك بذلك من صلاتك أكثر مما لو صليت الفرض والسنة دون تركيز وخشوع، ورب معترض يقول كيف نلغي السنة، فأقول إن هذا ليس هو المبدأ الذي ندعو إليه، وإنما الذي ندعو إليه هو حل لحالات خاصة قد تضطر إليها، ونريد فيها إخراجك من حالة الخسارة التامة إلى حالة خسارة جزئية، فلا خير في صلاة لا تعطيها حقها، تكون فيها قد أضعت الفرض والسنة، وإنما الخير في الصلاة التي تؤديها بخشوع ولو اقتصرت على الفرض منها فقط.

19. إذا كنت مسافرا فاقصر الصلاة، فالقصر لا يعني عدم الخشوع:

يعتقد البعض أن قصر الصلاة يفقدها الخشوع، لذلك لا يلجؤون لهذه الرخصة التي منحنا إياها الله رغبة في الخشوع في الصلاة، وكأن قصر الصلاة يعني عدم الخشوع، والواقع أن قصر الصلاة لا يعني أبداً هضم حقها من الخشوع أو عدم إتمامها حسب الأصول دون طمأنينة، فصلاة الظهر عندما تقصر تصبح ركعتين، مثلها مثل صلاة الصبح، فهل كون صلاة الصبح ركعتين يفقدها الأهمية أو حقها في الخشوع؟ لا بالطبع، لذلك لا تنظر للأمر على أنه عدد من الركعات يجب أن تؤديها فتربط أهميتها بعدد الركعات فيها، فالله هو الذي منحنا هذه الرخصة والصلاة هي لله، فهي سواء إن كانت ركعتين أو أربع ركعات، وإنما هو تخفيف من الله ورحمة، لذلك انظر إلى الصلاة على أساس أنها وحدة من العبادة، واسأل نفسك كم خشعت فيها، فالأمر ليس بالعدد، وإنما بمقدار الخشوع الذي تم فيها، والذي بمقداره سوف تثاب، فقصر الصلاة ليس ضد الخشوع.

20. لا تقم للصلاة وأنت في حالة غضب:

نعم، ارقد قليلاً حتى يذهب غضبك أو جزء منه، جدد وضوءك، استعذ بالله من الشيطان الرجيم ثم قم إلى الصلاة، لأنك لو قمت إلى الصلاة وأنت في حالة من الغضب فإنك لن تخشع في صلاتك ؛ لأن ذهنك وقلبك غير خاليين، وإنما يملؤهما الغضب، فلا سكينة ولا وقار، وبذلك تخسر الخشوع، بل ربما يوسوس لك الشيطان وأنت في مثل هذه الحالة من الضعف فيقودك إلى الكفر عندما يدفعك للتساؤل لماذا أنا أصلي، وأين العدل، ولماذا يحدث ذلك معي وحدي، إلى غير ذلك من التساؤلات التي لا تقود إلا للكفر، لذلك إذا كنت واقفاً فاجلس، وإذا كنت جالساً تمدد قليلاً، اصبر قليلاً حتى يزول جزء من غضبك ثم قم وجدد وضوءك، فيزول بقية غضبك مع الوضوء، لأن الغضب من الشيطان، والشيطان من النار، ولا يطفئ النار إلا الماء فأطفئ غضبك بالوضوء بالماء ثم استعذ بالله من الشيطان الرجيم، فيزول عنك ما تبقى من غضبك، ويزول ما في قلبك وتصبح جاهزاً للصلاة، وإذا ما اضطررت بعد ذلك للانتظار فلا بأس وفي هذه الحالة ننصح بتكرار الوضوء، وفي حالة وجود إنسان أمامك في حالة من الغضب، وقد حان موعد الصلاة، فربما من شدة غضبه ينفجر بك قائلاً: لا أريد أن أصلي، لذلك فالتصرف السليم والكيس في مثل هذه الحالة هو أن يقال له: قم وجدد وضوءك.

21. لا تقم للصلاة مباشرة من جلسة ضحك ولهو، اصبر قليلاً ثم قم للصلاة:

ما زلنا ننطلق من أن الخشوع عبارة عن صفاء ذهني أولاً، يتبعه قلب متعلق بالله فإذا ما قمت إلى الصلاة من جلسة ضحك ولهو، فسوف تقوم وذهنك عامر بما قيل من الضحكات، وقلبك ممتلئ باللهو، وسوف تدخل إلى الصلاة وذهنك لم يصف بعد ولا قلبك، وربما تنهي صلاتك ولم يصف بعد، هذا إن لم تكن تصلي والابتسامة تعلو شفتيك من أثر الضحكات التي قيلت، والتي تطفو على سطح تفكيرك فتدفعك إلى التبسم وأنت في الصلاة، وعليه فلا خشوع حتى يصفو الذهن مما قيل ويفرغ القلب من هواه، ويعود إلى صفائه، ثم قم إلى الصلاة، وسوف يكون أفضل لو أنك جددت وضوءك؛ لتعيد لنفسك شعورها الديني بالعبادة، وتذهب عنك الشيطان.
ومن ناحية القلب فإن استحضاره للخشوع من جلسة لهو وضحك يتطلب فترة من الوقت، قد تطول أو تقصر بحسب شدة اللهو الذي كان فيه القلب، لذلك إن كنت راغباً وباحثاً عن الخشوع فلا تقم إلى الصلاة مباشرة من جلسة لهو، بل أعط كل شئ حقه، وانتظر الفترة التي تشعر أنك بحاجة إليها؛ ليفرغ قلبك من اللهو استعداداً للصلاة بخشوع، والأسلم من ذلك الإقلال من مثل هذه الجلسات لأن أثرها لا يزول سريعاً.

22. لا تصل وأنت يغالبك النوم، ارقد حتى يذهب النعاس ثم صل:

النعاس لا يجتمع مع الصفاء الذهني، ولا يجتمع مع الوعي في الصلاة، فواحد منهما فقط تستطيع الحصول عليه، فإما أن تصلي بلا خشوع وأنت يغالبك النعاس، أو ترقد قليلاً فيذهب عنك النعاس ثم تصلي بخشوع، وحيث أن الشخص الذي يغالبه النعاس شخص لا يعي ما يقول فتكثر أخطاؤه في الصلاة، وربما تصل إلى حد خروجه من الصلاة دون أن يدري، وفي ذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : "إذا نعس أحدكم وهو يصلي فليرقد حتى يذهب عنه النوم، فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس لا يدري لعله يذهب يستغفر فيسب نفسه"، وسب النفس ليس هدف من يريد الخشوع في الصلاة، لذلك ينصح بشدة في هذه الحالة بتجديد الوضوء، فالماء ينشط الدورة الدموية، ويذهب النعاس، فيكون سبباً في الحصول على الخشوع في الصلاة، كما ينصح عند انتظار الصلاة بعدم الاستسلام للنوم بتمديد الجسد وأخذ هيئة النوم؛ فهذا يجلب النعاس، بل ينصح بالجلوس جلسة صحيحة،وهذا يساعد على طرد النعاس.

23. ضع أمام عينيك عظم ثواب الخاشعين وعظم خسارة المردودة صلاتهم:

للصلاة بخشوع أجر كبير عند الله، يصل لدرجة عدم قدرة البشر على تصورها أو إحاطتهم بها علماً لعظم هذا الأجر وثوابه العظيم، وهذا واضح في الآية الكريمة في قول الله تعالى: (إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ(15) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُون(َ16) فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)(السجدة:17) ، وهذا الأجر العظيم سوف يتناسب مع درجة الإيمان والخشوع القائم عليها المصلي، لذلك فإننا نسعى للوصول لأعلى الدرجات في الخشوع، لنحصل على أعظم الثواب.
ولقد مدح الله الخاشعين أناء الليل، ولم يساو بينهم وبين غير الخاشعين، بل فضل الخاشعين واعتبرهم كما جاء في الآية الكريمة هم الذين يعلمون لقيامهم بما أوجب الله عليهم، ولخشيتهم منه، واعتبر الذين لا يعلمون هم الذين لم يعلموا حق الله وقدرته فلم يخشوه، فقال في كتابه العزيز : (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ) (الزمر:9) ، وفي الحديث الشريف يبين لنا الرسول صلى الله عليه وسلم أن الله أخذ على نفسه عهداً بأن يغفر لمن صلى وخشع له، ومعلوم أن من غفر له الله دخل الجنة، وذلك في الحديث الشريف: "خمس صلوات افترضهن الله عز وجل، من أحسن وضوءهن وصلاهن لوقتهن، وأتم ركوعهن وخشوعهن،كان له على الله عهد أن يغفر له، ومن لم يفعل، فليس له على الله عهد، إن شاء غفر له وإن شاء عذبه"، وفي حديث آخر يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها، إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب، ما لم تؤت كبيرة، وذلك الدهر كله".

24. ضع أمام عينيك أن ركعتين تخشع فيهما تدخلانك الجنة وأنه عندما يحين موعد الصلاة ، يحين موعد توزيع الثواب:

الجزء الأول:

جاء في الحديث القدسي: "يعجب ربك عز وجل من راعي غنم، في رأس شظية بجبل، يؤذن للصلاة ويصلي، فيقول الله عز وجل: انظروا إلى عبدي هذا، يؤذن ويقيم الصلاة يخاف مني، قد غفرت لعبدي وأدخلته الجنة". واضح من الحديث أن ركعتين يصليهما المرء بحسن أداء وخشوع لله خوفاً وطمعاً يمكن أن تدخلانه الجنة، فلم لا نحاول أن نصلي مثل هاتين الركعتين في يوم ما، ولو تطلب الأمر منا عدة محاولات نؤديها في أيام تالية عسى الله أن يوفقنا في الوصول إليهما.

الجزء الثاني:

لو علمنا أن هنالك جوائز توزع على شيء نتقنه، فإننا ننطلق لذلك ولو كان في أي مكان، رغبة في الحصول على هذه الجوائز، وثواب الخشوع وجائزته أعظم عند الله، وهي على قدر المعطي، فلم لا نسعى للخشوع، وكأنها مسابقة نريد أن نثبت فيها حسن أدائنا ونفوز بأكبر جائزة يمكن أن تمنح، ومن كرم الله أنه لا يرد أحداً، بعكس المسابقات الدنيوية، فإن لم تكن الفائز الأول أو الثاني عند رب العالمين، فهنالك جوائز ترضية لكل من تقدم للمسابقة، كل على قدر جهده المبذول فيها، فاحرص على بذل كل ما تستطيع من جهد، ونحن في الحياة الدنيا نسعى لزيادة أرصدتنا من كل شئ، فلم لا نسعى إلى زيادة أرصدتنا لدى رب العالمين من خلال إتقان كل صلاة نصليها.

25. لا تكن سبباً في فقدان غيرك للخشوع كي لا تفقده أنت أيضاً:

قد يرغب الإنسان أحياناً في الصلاة في الصف الأول فيحاول اجتياز المصلين، وقد يرغب في توجيه مصل آخر إلى خطأ ما، أو غير ذلك من الأسباب التي تدفعه إلى الاحتكاك مع المصلين، فيخطئ في الأسلوب، فيكون سبباً في توتر مصل آخر أو أكثر، فلا يعد هذا المصل قادراً على التركيز فتكون أنت السبب في فقدانه الخشوع، وربما تتطور الأمور، فيرد عليك بما يوترك أو يغضبك، فتفقد أنت الآخر القدرة على التركيز والخشوع في الصلاة، وربما يتعدى الأمر فيمتد إلى أكثر من مصلي فتتوتر أحوالهم، وبذلك تكون أنت الذي جنيت على نفسك وعلى الآخرين، وليس هذا ما نسعى إليه، فلنحذر إذن من الوقوع في مثل هذا الأمر بزيادة صبرنا وسعة صدرنا على المصلين الآخرين.

26. إن كنت مريضاً أو بك رشح فاستعن مسبقاً بالمحارم أو الأدوية:

الرشح يتطلب استخدام المحارم وبكثرة ، وعليه سيكون الحال سيئاً جداً إذا لم تكن تحمل مَحارماً في جيبك، ومحرجاً في نفس الوقت ، وسوف تنشغل بمدافعة السيلان من أنفك بطرق غير لائقة، وهذا بمجموعه لن يكون في صالح عملية الخشوع، لأن الخشوع سكون للجوارح وصفاء ذهني ، فإن كنت حريصاً على الخشوع جهز نفسك بما يلزم من المحارم أو الأدوية الخاصة بك إن كنت مريضاً بمرض يتطلب منك تناول الدواء باستمرار ، وذلك حرصاً على أن تكون عند تأدية الصلاة في أحسن أحوالك الصحية، غير متأخر عن أخذ الدواء ، فلا يشغلك ذلك ولا يتعبك أثناء الصلاة ، وإذا كان الأمر بهذه البساطة فلم نضحي بالخشوع طالما أن الأمر بأيدينا ويمكن معالجته بسهولة ويسر.

27. توقف عن النظر إلى المحرمات مباشرةً أو من خلال التلفاز أو الأفلام:

ذكرنا أن أكل الحرام مانعاً من موانع الخشوع؛ لأنه يتناقض مع تعظيم الله والخوف منه، ونضيف الآن أن النظر إلى المحرمات يضعف من الخشوع لديك؛ لأن كثرة النظر إلى المحرمات يوقظ فيك حب الدنيا والرغبة في قضاء الشهوات، ولأن من طبيعة الإنسان أنه يتولد لديه رغبة في امتلاك ما يرى، خاصة إذا كان شيئاً جميلاً فتشتهيه النفس وتطلب منه، بل وتبدأ في السعي في امتلاكه، وهذا كله لا يتعارض مع صفة القلب الخاشع الذي سكنت فيه نار الشهوات وخرج منه حب الدنيا والتعلق بها، واتقدت فيه محبة الله والرغبة في جنته والخوف من عقابه.
كما أن تزاحم هذه الصور في ذهن الإنسان يجعل فكره وقلبه مشغولاً ومتعلقاً بها، مما يشكل عائقاً أمام صفاء فكره وفراغ قلبه لربه، بل أكثر من ذلك، ربما تطفو إحدى هذه الصور أو المواقف على سطح تفكيره أثناء تأديته للصلاة، فبدل أن يسرح في حب الله وملكوته، فإنه يسرح في هذه الصور أو المواقف، ولك أن تتخيل حينها شكل الصلاة التي تؤديها.

28. صل الصلاة في وقتها، فذلك دليل حبك لها، ولا تؤخرها:

من الطبيعي أن من أحب شيئاً فإنه يحب قدوم وقته، لممارسته وإشباع رغبته منه، مثل لعب الكرة أو السباحة أو زيارة شخص عزيز عليه، ونفس الشيء ينطبق على الصلاة، فمن أحبها بصدق أحب وقت قدومها، فينطلق لأدائها بنفس شوق الحبيب للقاء محبوبه، ولا يخطر على باله أبداً أن يؤخرها وقد حان موعدها، واعلم أن أي شيء يمكن أن يؤخرك عن الصلاة في وقتها، فإنه يشكل عندك أهمية تفوق أهمية الصلاة والعبادة، فافحص نفسك بناءً على ذلك، لتكتشف مدى صدق رغبتك في الصلاة، لأن الله سبحانه وتعالى يقول عن الصلاة أنها فرضت على المؤمنين لتؤدى في مواعيد محددة، وليس في غيرها فقال سبحانه: (إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً)(النساء: من الآية103) ، ويبين لنا الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف بأن "أحب الأعمال إلى الله الصلاة لوقتها، ثم بر الوالدين ثم الجهاد في سبيل الله"، وبتأمل الحديث تجد أن الصلاة في وقتها أحب عند الله من بر الوالدين ومن الجهاد في سبيل الله ، فكيف نقدم على وقت الصلاة أياً من أشغالنا، وانشغالنا بالحياة الدنيا وبتفاهاتها ولهوها، لذلك فلنكن وقافين عند كلام الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ)(المنافقون:9) ، ولنكن من: (رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ)(النور:37) ، ولأهمية الموضوع، لا يفوتنا أن نبين بوضوح معنى قوله تعالى في كتابه العزيز: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ (5) الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ (6) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ) (الماعون) ، فقد قال طائفة من السلف: هم الذين يؤخرونها عن وقتها، وقال بعضهم: هم الذين لا يؤدونها على الوجه المأمور به وإن صلاها في وقتها، وتأخير الصلاة لغير جهاد كصناعة أو زراعة أو صيد أو أي عمل من الأعمال لا يجيزه أحد من العلماء، وتأخيرها عن وقتها حتى دخول الصلاة التي تليها حرام باتفاق جميع العلماء، فالكل متفق على أن تأخير صلاة الليل إلى النهار وتأخير صلاة النهار إلى الليل بمنزلة تأخير صيام شهر رمضان إلى شوال.
وإنما يعذر بالتأخير النائم والناسي كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : "من نسي صلاة، فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك". ولا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها لا لجنابة ولا لحدث ولا لنجاسة ولا لغير ذلك، بل يصلي في الوقت بحسب حاله، وهذا كله لأن الصلاة في وقتها فرض، والوقت أوكد فرائض الصلاة، كما أن صيام رمضان واجب في وقته ليس لأحد أن يؤخره.

ولو ناقشنا الأمر وقلنا أنك كنت في حاجة إلى شيء، وتعلم أن فلاناً يمكن أن يقضي لك حاجتك، فإنك سوف تتشوق للقائه لرغبتك في قضاء حاجتك عنده، وسوف تكون حريصاً جداً على أن لا تضيع موعداً يضربه لك في أي ساعة يشاء، وسوف تكون هنالك في الموعد المحدد، بل ربما أبكر من الموعد بكثير، فإذا علمنا أن الله هو قاضي الحاجات وليس الناس، وأن الصلاة هي الصلة بين العبد وربه وهي اللقاء، وبها تطلب من الله ما تشاء، فعليك نقل شوقك وطلبك إلى موعد مع الله، ونقل حرصك إلى أن تكون جاهزاً في انتظار الصلاة، ولو قصرت أنت في الحضور في الموعد المحدد فسوف تلم نفسك على هذا التقصير، وتحمل نفسك مسؤولية عدم تلبية طلبك؛ لأنك لم تكن في الموعد المحدد حاضراً، انقل هذه الصورة إلى العلاقة مع رب العالمين ولُم نفسك عند عدم تلبية حاجتك.

29. جهز مكاناً مناسباً للصلاة في بيتك أو عملك وطور فيه أسباب الخشوع:

يحرص الناس على أن يكون في بيوتهم أماكن مخصصة لكل شيء، حتى هواياتهم، نجد أنهم قد خصصوا لها مكاناً ما في البيت لممارستها فيه، ورتبه بطريقة تؤمن لهم السهولة واليسر في ممارستها، ولا يبخلون في الإنفاق على تجهيز هذا المكان بكل ما يلزم، فإذا كان هذا حرص البشر على هواياتهم، وهي لهو ومتاع، أفلا ننقل مثل هذا الاهتمام إلى عبادتنا وإلى صلاتنا، فيكون لها مكاناً خاصاً في البيت هيأت فيه أسباب الخشوع، وجهز بكل ما يلزم، وتم إبعاده عن الفوضى والضوضاء، ليكون كمحراب تتعبد فيه لله سبحانه وتعالى،بل ونطور هذا المكان باستمرار ونجدد له ما يلزمه، فيكون لنا مكان سعادة وهناء نمارس فيه الصلاة بحب وإقبال على الله، فيزيد من خشوعنا له، ويكون ذلك أفضل وأسمى وأرقى وأخشع من الصلاة أمام التلفاز أو في الممرات، أو في المطبخ كما يصلي البعض.


نصائح في تأدية الصلاة

إن كل ما سبق من نصائح كان لتهيئة النفس للصلاة بخشوع، والآن جاء دور التطبيق العملي للخشوع في الصلاة والحصول على النتائج المرجوة، وقطف ثمار لذة الخشوع لله تعالى، وكل نصيحة تمر الآن مقصود منها إدخال تعديل ما على سلوكنا أثناء تأدية الصلاة، وذلك للاقتراب من الكمال في الأداء للحصول على أعلى الدرجات من الخشوع لله سبحانه وتعالى.

30. ادخل في الصلاة بنية الخشوع:

عندما نصلي الظهر فإننا ننوي في أنفسنا صلاة أربع ركعات، عندها لا نصلي ركعتين ولا ثلاثة، بل أربع ركعات كما نوينا، إذن لماذا لا ننوي أيضاً الخشوع في الصلاة، تماماً كما نوينا النية لصلاة أربع ركعات، ويكون محل هذه النية القلب، وسوف تعبر هذه النية عن رغبتنا الصادقة في الخشوع في الصلاة، فيكون لنا من الله عوناً على الخشوع بحسب نيتنا، ولا شك أن الإنسان عندما ينوي شيئاً فإنه يلتزم بما نوى، إذن فلنلزم أنفسنا بالخشوع وذلك بالدخول إلى الصلاة ونيتنا هي الخشوع فيها، فإذا ما نوينا أن نخشع في الصلاة ولم نتمكن من ذلك وكنا صادقين مع أنفسنا في النية، فإن الله سوف يكتب لنا من الثواب بقدر صدق النية التي نويناها في بداية الصلاة، إذ فلننوِ وبصدق فإن لم نفلح في الخشوع فلا أقل من أن نفوز بالثواب على النية، وهذا كسب عظيم.

31. ابدأ بالخشوع بإحدى الصلوات كتجربة:

نعم، ثم انتقل من هذه التجربة لبقية الصلوات بالتدريج.
قلنا أن الخشوع سلوك يمكن أن يُكتسب وإيمان يمكن زيادته، وتعلم السلوك يحتاج إلى تدريب، والتدريب يتم بالقيام بالتجارب، التجربة تلو التجربة حتى الوصول إلى النجاح التام، إذن لماذا لا نقوم بتجربة صلاة ركعتين نحاول أن نخشع فيهما قدر الإمكان، ثم ندرس أداءنا فيهما ونقيمه لنتبين نقاط الضعف لتلافيها مستقبلاً أو إصلاحها، وهكذا نكرر التجربة، وسوف تستغرب من أنك بدأت تفهم نفسك أكثر وأكثر وتتبين بعض الأسباب التي أضعفت من خشوعك، ركز على هذه النقاط، حاول أن تحلها، ثم ادخل التجربة مرة ثانية وثالثة ورابعة، وفي كل مرة تتلاشى بعض نقاط الضعف لديك، حتى تصبح قادراً على أداء الصلاة بخشوع نتيجة هذه التجارب، ونتيجة تفادي نقاط الضعف، انقل ما تعلمته من هذه التجارب إلى صلواتك الأخرى ليعمها الخشوع.

32. قيام الليل المجال الأوسع لممارسة الخشوع:

قيام الليل هو الجامعة الروحية التي يتخرج فيها المؤمنون حقاً؛ ففيه صدق الإيمان والمجاهدة الحق، الدالة على الرغبة القوية في العبادة، ولقد ميز الله قوام الليل عن غيرهم عندما قال: (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ)(الزمر:9) ، ففي الليل تكون النفس صافية من كل ما يشغلها من عمل دنيوي، والقلب في صحوة، فأجواء العبادة والخشوع مهيأة ويجب استغلالها لتحصل على الخشوع بسهولة ويسر، فلم لا تجرب ترك صلاة الوتر إلى آخر الليل وقبل النوم ثم أخرها إلى أن تقوم ما بين الوحدة والثانية صباحاً فتصليها، ثم طور الأمر إلى تطوع في الصلاة، وقيام ليل، فإنك إن صليت صلاة حصل لك بها خشوع، وامتلأ قلبك منها إيماناً، فإنك لن ترضى بعدها بأي صلاة تصليها لا يحصل لك بها خشوع، ولو كان بسيطاً، فمستوى صلاتك قد تحسن، ولقد تذوقت طعم الخشوع وتريده في كل صلاة.

33. اقرأ واختر من الآيات ما يساعدك على ترك المعاصي التي تمارسها:

كن رقيباً على نفسك ومحاسباً لها، وازجرها عن كل المعاصي، فالنفس أمارة بالسوء، والإنسان ضعيف، يسقط أحياناً في بعض المعاصي ظاناً أنها خفيفة أو أنه لا يستطيع التخلص منها، مثل النظر إلى المحرمات أو السير بالنميمة أو التعامل مع البنوك وأخذ القروض للإسكان أو للتجارة، اختر في هذه الحالة من آيات الربا، واقرأها في الصلاة وتأمل معانيها، واستحضر في نفسك أنك مخالف لهذه الآيات وأنك ترجو رحمة ربك بالتوبة عليك، وأن يقدرك على ترك ما أنت فيه من معصية، وأن يريحك من هذا العذاب النفسي، هذه الأمور بمجموعها إذا تفاعلت في داخل نفسك فسوف تكون سبباً مساعداً لك على الخشوع، وينصح أيضاً بالقراءة من آيات الرحمة عسى الله أن يغفر لك.

34. أعط اهتماماً لصلاة الفجر فأجواؤها مهيئة للخشوع وهي متدربك للخشوع:

يبدأ الإنسان يومه وهو خالي الذهن من الهموم، ومن كل ما يشغل باله، فهي لحظة نقاء وصفاء قبل الدخول في هموم الدنيا وزخرفها، والإنسان يبدأ يومه وكله أمل في الله سبحانه وتعالى في أن يوفقه في يومه، وأن يكون يوم خير وبركة له، وهذه فرصة يكون فيها القلب خاشعاً لله طالباً للتوفيق والرحمة مستعيذاً بالله من شرور الدنيا، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "من صلى الفجر فهو في ذمة الله، فلا يطلبنكم الله بشيء من ذمته".وعندما تقوم من فراشك إلى صلاة الفجر فتتوضأ ثم تصلي لا يدفعك إلى ذلك إلا رضى الله ومحبته، كل هذه الحركات تعظيم لأمر الصلاة ولما أنت مقدم عليه، فإذا كانت هذه المقدمات التي تبذلها للصلاة، فلن يكون فيها قدر من الخشوع، فهذه الأجواء بمجموعها تساعد في الحصول على الخشوع في الصلاة الذي يمكن أن ينتقل إلى بقية صلواتك.

35. صل صلاة مودع لهذه الدنيا:

ومعنى ذلك أن تصلي وكأنها آخر صلاة لك في الدنيا، غير ظان بأنك سوف تصلي غيرها، وهذا الشعور إذا ما تولد لدى الإنسان وتفاعل في قلبه، فسوف يدفعه إلى إتقان صلاته كل الإتقان ومحاولة الحصول فيها على أعلى درجات الخشوع، كيف لا وهي آخر صلاة يؤديها في هذه الدنيا، وبعدها يلقى وجه الله، لذلك سوف يسعى لأن يلقى الله وهو راضٍ عنه، وأن يطلب فيها من الله كل المغفرة والرضوان، ولقد حثنا الرسول صلى الله عليه وسلم على تمثل هذا الشعور عند الصلاة، عندما قال لأبي أيوب رضي الله عنه: "إذا قمت في صلاتك فصل صلاة مودع . . ." ، لذلك تذكر نصيحة رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه عند القيام للصلاة ؛ كي تولد فيك هذا الإحساس الرهيب المؤدي إلى الخشوع.

36. قم إلى الصلاة بقلب منشرح لقدوم وقتها ليساعدك ذلك على الخشوع:

من الطبيعي أن الإنسان إذا قام لأداء عمل وهو كاره له فإنه لن يتقنه، وسيحاول أن ينهيه بأي طريقة كانت للتخلص منه، فإذا فهمنا هذا الشعور فإننا نفهم منه أن العكس صحيح، وهو أن الإنسان إذا ما قام لأداء عمل راغب فيه فإنه سيتقنه ويؤديه على أكمل وجه، بل سيجهز له كل ما يلزم من أدوات حتى يخرجه عملاً متقناً ومميزاً، إذن فلنستفد من هذه الخاصية في النفس البشرية، ولنقم إلى الصلاة بقلب منشرح مسرور بقدومها، ولنُزِل من أنفسنا كل كسل أو تقاعس من الممكن أن يزرعه الشيطان في أنفسنا، وذلك بالاستعاذة بالله من الشيطان قبل القيام للصلاة، وبفهم معنى الصلاة كركن هام في حياة المسلم.

37. إياك وخشوع النفاق:

نسعى من خلال هذه النصائح للحصول على خشوع القلب لله تعالى، والذي يتطلب جهداً وإيماناً ونية صادقة، ولا ننسى أن نحذر من السقوط في خشوع النفاق، الذي من السهل الوقوع فيه، فقد يزين لك الشيطان خشوع الجسد على أنه خشوع قلب، لذلك وجب التمييز بين خشوع الإيمان وخشوع النفاق؛ حتى نكون على بينة وحذر، فخشوع الإيمان هو خشوع القلب لله بالتعظيم والإجلال والوقار والمهابة والحياء، فينكسر القلب لله حباً وحياءً ومهابة، فيتبعه خشوع للجوارح، أما خضوع النفاق فيبدو على الجوارح تصنعاً وتكلفاً، فترى الجسد خاشعاً ولكن القلب ليس بخاشع، لذلك يكره أن يُري الرجل من الخشوع أكثر مما في قلبه، لذلك افحص خشوعك على أساس من الفهم، فإن وجدت فيه شيء من خشوع النفاق فأزله حالاً من قلبك، وذلك بأن تعلم أن الله أحق بالخشوع له، وأن حساب الآخرة عنده وليس عند غيره، وإن لم تجد في خشوعك شيء فاحذر من الوقوع في خشوع النفاق مستقبلاً.

38. تهيأ للصلاة بتسبيح الله، دقائق قبل الصلاة، استعداد للخشوع:

علمنا أن الخشوع حضور ذهني، وانشراح قلب للصلاة، فإذا ما قمت إلى الصلاة مباشرة من عملك، فإن ذهنك لن يكون قد خلا بعد من التفكير في أمور الدنيا وهمومها أو لذائذها ، وعليه فالمطلوب قليل من اللحظات تسبق قيامك إلى الصلاة تصفي فيها قلبك وذهنك من مشاغل الدنيا، وإلى القليل من اللحظات الأخرى لتملأ فيها قلبك بذكر الله، هذه اللحظات تشغلها بذكر الله والتسبيح له، فيصبح ذهنك أكثر صفاء، وأكثر استعداد للصلاة، ويصبح قلبك ممتلئ بذكر الله، وإنني أقترح عليك ترديد دعاء النبي يونس عليه السلام: " لا إله إلا أنت سبحانك ، إني كنت من الظالمين" ، عدة مرات قبل القيام إلى الصلاة، لما لهذا الدعاء من تأثير عجيب وقوي وسريع على النفس؛ ففيه توحيد لله وتمجيد وتنزيه، وفيه اعتراف بالذنب وطلب مغفرة، وسوف تشعر بأن قلبك قد أصبح في درجة أقرب للخشوع في الصلاة.

39. أقم الصلاة بنفسك واجهر بذلك:

إقامة الصلاة فيه تعظيم لأمر الصلاة وتهيئة وهيبة، وهو الحد الفاصل بين جو ما قبل الصلاة وجو ما بعد الصلاة نفسها، لذلك كان له الأثر النفسي في تعظيم أمر الصلاة؛ لأن الاستشعار بهذا الحد الفاصل يساعدك على الخروج من هموم الدنيا ومشاغلها إلى الصلاة بروحانيتها، فإذا ما كنت مؤدياً للصلاة منفرداً فأقم الصلاة بنفسك لتزيد استشعارك بهيبتها وبالحد الفاصل بين الصلاة وما قبلها، وكي تدخل نفسك في جو الصلاة، وبذلك يزداد صفاؤك واستعدادك لما أنت مقدم عليه، فإذا ما أضفنا إلى ذلك جمال معاني كلمات الإقامة وعظمتها في النفس، فإن الاستعداد يزداد أكثر فأكثر بقدر فهمك لهذه المعاني، وبقدر انتباهك ووعيك لها أثناء الإقامة، فيصبح التهيؤ للخشوع قد بلغ عندك قدراً أصبحت فيه مستعداً للخشوع.

40. اعمل على تأكيد أن وقوفك بين يدي الله حقيقة بتنفيذ كل ما يلزم لذلك:

لو كان لديك مقابلة مع مسؤول ما، ذي درجة عالية، ولك حاجة تريد أن تقضيها من خلال هذه المقابلة، ألا تهيئ نفسك لهذه المقابلة؟ ألا تستعد لها؟ ألا تجهز لها من كل ما يلزم؟ وترتب كل أمورك ووقتك استعداداً لها، وربما أن تذهب للحلاق، فإن كان كذلك فالله أحق أن نجله ونوفيه حقه من الوقار حين الوقوف بين يديه في الصلاة، وذلك بالاستعداد بنفس الروح التي سعيت بها للمقابلة، وبنفس النشاط والهمة، بل بأكثر من ذلك؛ لأن الله أحق بذلك ولا مقارنة أبداً فالله أجلّ.
وإن عدنا إلى مثال المقابلة وقلنا أنك قصرت في الاستعداد لها فنسيت الموعد مثلاً أو ذهبت غير مستعد لها، فإنما أنت تقصر في حق نفسك لأن حاجتك لن تقضى في هذه الحالة، وبنفس الطريقة فإن أنت قصرت بشيء تجاه الله فإنما أنت تقصر في حق نفسك، وعليه قم إلى صلاتك وقد اتخذت كافة الاستعدادات اللازمة غير مقصر بشيء من أي نوع كان، ليكن استعدادك كاملاً فتكون خاشعاً لله في صلاتك، والله يقول في كتابه العزيز: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ)(البقرة:238).

41. استعذ بالله من الشيطان الرجيم وسم الله عند الدخول في الصلاة:

إن عدوك في الصلاة هو إبليس الذي يحاول أن يخرجك من خشوعك، بل من الصلاة كلها إن استطاع، فلنستعن بالله عليه، ونستعيذ بالله من الشيطان الرجيم قبل الدخول في الصلاة، كي لا يفسد علينا خشوعنا وقراءتنا من القرآن، ولقد أرشدنا الله سبحانه وتعالى لذلك في قوله: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ)(النحل:98) ، و الاستعاذة طهارة للفم من اللغو والرفث، واعتراف بالعجز أمام وساوس الشيطان، وهي طلب للمعونة من الله القادر عليه، فمن السنة أن نذكر اسم الله على كل عمل هام؛ ليبارك الله لنا فيه، والصلاة من الأعمال الهامة التي يتوجب ذكر اسم الله في بدايتها.

42. " الله أكبر " .. قف عند معانيها عند الدخول في الصلاة:

كلمة " الله أكبر " التي ندخل بها الصلاة لها معانٍ كثيرة، وحركة اليدين التي نقوم بها أثناء لفظ " الله أكبر " لها معانٍ كثيرة وحتى وضع اليد اليمنى على اليد اليسرى له معانٍ أيضاً، هذه المعاني إن علمناها فإنها تزيد من سمو الحركة التي نقوم بها، ومن عظمة الكلمات التي ننطق بها، مما يزيدنا خشوعاً بإذن الله عند الإقبال على الصلاة.

فمن معاني "الله أكبر" أن:
 الله أكبر من كل كافر، ومن كل منافق، ومن كل يكيد لهذا الدين.
 الله أكبر من كل ظالم يكيد لك ليخرجك عن صبرك.
 الله أكبر من كل عمل يمكن أن يشغلك عن ذكر الله.
 الله أكبر في شأنه وأجلّ من أي شيء في هذه الدنيا.

أما معاني سحب اليدين ورفعهما:
 فأنت تسحب يديك من أعمال الدنيا وترفعهما لتصبحا فارغتين من أي انشغال.
 وأنت ترفعهما خاليتان مسلماً أمرك لله، مؤكداً على تفرغك لعبادة الله.
 وأنت ترفعهما تعظيماً لله، واستسلاماً له، وليس لأحد غيره.
 وأنت تسحبهما وترفعهما لتنتقل من جو الدنيا لتدخل إلى جو الصلاة.

ثم فكر في معنى وضع اليدين على بعضهما البعض، اليمنى على اليسرى:
 المعنى الأول: كف الأيدي عن أي تعامل دنيوي، فلا تنشغل بأي شيء أبداً.
 المعنى الثاني: رمز لتغليب الخير على الشر وأهل اليمين على أهل الشمال.
 المعنى الثالث: هي هيئة وصفة السائل الذليل حين يقف بين يدي الله العزيز.
 المعنى الرابع: إن ترك الحركة وتجميدها يعني ترك الأمر بالكامل لمشيئة الله.
 المعنى الخامس: هي أقرب للخشوع، حين نسكن الجوارح ونمنعها من العبث.

43. تأمل معنى الدعاء "وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض .." واجعله حقيقة:

كان الرسول صلى الله عليه وسلم يستفتح الصلاة بأدعية منوعة كثيرة، كان منها " وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين"، وعلى قمة المعاني الكثيرة لهذا الدعاء يأتي التعهد الصادر منك بأنك وجهت وجهك لله وأن صلاتك لله، وأن كل عباداتك لله، قف عند هذا التعهد، تأمله كي تنفذه، فتبقي وجهك وقلبك موجهاً لله، واجعل الأمر حقيقة وليس ادعاءً كاذباً تدخل به الصلاة فتزداد إثماً، بل حقيقة صادقة تزداد بها رفعة عند الله وشوقاً إليه، وهذا يتحقق بصدق النية أولاً، وصفائها لله، ثم بترك أمور الدنيا خلفك لإفراغ قلبك منها قبل الدخول للصلاة، فتدخلها ولا هم لك إلا مرضاة الله، ولا ملجأ لك إلا الله.

44. ليكن لديك قائمة طلبات تدخل بها الصلاة، وكلك أمل في الاستجابة:

لا شك بأن كل واحد منا مر بتجربة الحاجة، فتوجه لله بالدعاء أثناء الصلاة، فصلى ولم تكن على نفس رتابة الصلوات الأخرى، بل أحسن؛ وذلك طمعاً في الاستجابة لحاجته، والله كريم، وكلنا بحاجة إليه، فلو درسنا هذه النقطة وهي " أن الحاجة تحسن من الأداء طمعاً في الاستجابة " لوجدنا أنه يمكن أن نستفيد منها بالخشوع لله أولاً، ثم تحقيق حاجات لنا ندخل بها الصلاة ،لذلك جهز في ذهنك حاجة لك أو حاجات وادخل إلى الصلاة وكلك أمل بالله في الاستجابة لمطلبك فيحصل التفاعل المؤدي للخشوع في الصلاة نظراً لحاجتك، فإن لم يكن لك حاجات في الدنيا فاطلب من الله المغفرة في الآخرة، فأكثر ما يكون الدعاء استجابة في لحظات الخشوع فالله يقول في كتابه العزيز: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ)(الانبياء:90).

45. لا تغمض عينيك في الصلاة، فليس ذلك من الخشوع، بل فيه خطورة السهو، وأغمض عينيك إذا حدث أمامك شيء ما ولا تتابعه بنظرك:

عندما تكون في الصلاة واقفاً بين يدي الله عز وجل فهل تغمض عينيك، وهل هذا هو تعبير المحب المشتاق لله، لا.. فإغماض العينين تعبير عن عدم الرغبة في رؤية ما أمامك، وإغماض العينين يفتح الباب أمام التخيلات وشرود الذهن وبالتالي فقدان الخشوع، لذلك أبقِ عينيك مفتوحتين، فليس الخشوع في إغماضهما، ولكن قد يصدف أن يحدث أمر أمامك أو على إحدى الجوانب، فإن تابعت الأمر بنظرك سوف تخرج من خشوعك، في هذه الحالة ينصح بإغماض العينين لفترة حتى يمر الحدث أو ينتهي، ثم بعد ذلك تفتح عينيك، إذن فالأصل عدم إغماض العينين.
تقدم أن الأصل هو فتح العينين ولكن تحدث أمام المصلي أشياء كثيرة يصعب فيها على المصلي إبقاء عينيه مفتوحتين، وإن تابع ما يحدث خرج من خشوعه، لذلك ينصح في هذه الحالة، بل ويفضل، أن تغمض عينيك ولا تتابع الحدث الذي أمامك فتنشغل به وتخرج من الخشوع، ولكن الأفضل من ذلك هو أن تضيق من دائرة الرؤيا التي أمامك، وذلك بالنظر إلى موضع سجودك فقط، ولا تتابع شيئاً أمامك أصلاً.

46. أطلق لعينيك العنان في البكاء، ولا تحبس دمعك؛ فهو مؤشر للخشوع:

البكاء شيء من رقة القلب وهو معاكس لقسوة القلب، والبكاء يزيد الإنسان خشوعاً لله، هذا ما تقرره الآية الكريمة: (وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً)(الاسراء:109)، أما حبس الدمع والعين عن البكاء فهو من التكبر، كي لا يبدو متذللاً ، علماً بأن الخشوع هو في التذلل لله، ففي الحديث الشريف: "لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع، ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في منخري مسلم أبداً"، وفي حديث شريف آخر: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.. وذكر منهم "ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه"، وعن عبد الله بن الشخير رضي الله عنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ولجوفه أزير كأزير المرجل من البكاء . هذه الأحاديث الشريفة مع الآية الكريمة تبين بجلاء أن البكاء تعبير صادق عن الخشوع، والتعلق برحمة الله، لذلك كان الجزاء الجنة، فإن كان الأمر كذلك فلم نخفي البكاء أو نحبسه وهو تعبير عن شفافية القلب، بل المطلوب زيادته، والتباكي حتى يرق القلب إلى الله وتذهب قسوته، فالقلب القاسي هو الذي لا يعرف البكاء، والبكاء دليل على التذلل لله لدرجة البكاء بين يديه وفي ذلك تعظيم لله وصدق في طلب الحاجة من قاضي الحاجات.

47. وجِّه نظرك في الصلاة إلى مكان سجودك ولا ترفع رأسك عالياً:

إن الوقوف في الصلاة مع رفع الرأس وتوجيه النظر إلى أعلى ليس له معنى في الصلاة إلا التكبر؛ لأن الصلاة في معناها تذلل لله وانكسار ووقار، وهذا لا يستقيم إلا بتوجيه النظر إلى الأرض، وبالذات إلى موقع السجود، وهذا الموقف شائع ومعروف عند من يقفون بين يدي السلطان، فتراهم خشعاً أبصارهم لا يرفعونها بوجه السلطان أبداً، والله أحق بهذه الوقفة، لذلك فلنعطِ الله حقه، ونحذر من الوقوع في خطأ غير مقصود، ثم إن النظر إلى الأعلى لا يحمل أي معنى من الخشوع، في حين أن النظر إلى موقع السجود، يسكن النفس ويذكرها أنها من التراب وإلى التراب سوف تعود، فالنظر إلى موقع السجود هو الوقفة الصحيحة بين يدي الله جلت عظمته، فإذا ما فهمنا هذه المعاني، كان ذلك سبباً مساعداً لنا على الخشوع في الصلاة.

عن أنس رضي الله عنه، عن النبي  قال: "ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم؟ لينتهن عن ذلك أو لتخطفن أبصارهم".

48. رتل القرآن ترتيلاً، سواء في الصلاة الجهرية أو السرية:

ترتيل القرآن هو تلاوته على غير عجلة، مفسرة حرفاً حرفاً، وفي ذلك يأمرنا الله سبحانه وتعالى: (وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً)(المزمل: من الآية4) ، وهذا الترتيل والتأني سبب للتفكير المؤدي إلى الخشوع، والقرآن غني عن التعريف والحديث عنه في هذا الكتاب، وإنني أكتفي بتذكير إخواني بتأمل الآية الكريمة التالية، تأملاً يفضي إلى فهم معانيها قدر المستطاع: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ)(الزمر:23) ، فقراءة القرآن الكريم بتمعن سبب للخشوع في الصلاة بدليل قوله تعالى في الآية الكريمة: (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)(الحشر:21) ، فإذا كان الجبل يخشع ويتصدع من خشية الله، فالقلوب أولى بهذا التأثر، وأولى بالخشوع لله، فهي أكثر رقة وشفافية.

49. جدد باستمرار في الآيات التي ترددها في صلاتك:

إن تكرار قراءة نفس الآيات الكريمة في كل صلاة يحول صلاتك من عبادة إلى عادة، ويحول أداءها إلى شكل آلي، فلا تعلم ولا تعي شيئاً مما قرأت، وهذا يحرمك من التفكر في معانيها لتكرارك لها في كل صلاة، وبذلك تفقد الوعي الذهني لما تقول وهو الذي يبنى عليه الخشوع، فتدخل الصلاة وتخرج منها لا تعلم عنها شيئاً، والتكرار يحرمك من المرور على بقية آيات القرآن الكريم والتنعم بمعانيها، لذلك جدد ونوع في الآيات التي تقرؤها؛ حتى تحافظ على نشاطك وخشوعك في الصلاة، فالتنويع من السنة، وعكسه سبب في عدم الخشوع، ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينوع في الآيات، فكان يقرأ آيات معينة لمناسبات معينة ولصلوات معينة، ويمكن الرجوع إلى صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم .

50. احرص على لفظ الكلمات كاملة، واضحة، وتامة في موقعها:

الصلاة ليست مسابقة في سرعة قراءة القرآن، فمن أراد الخشوع في صلاته عليه بالتأني، والتأني لا يعني الإطالة دون داعٍ، وإنما يكون بإخراج أحرف الكلمات كاملة غير منقوصة، متأملاً معانيها واقفاً عند حدودها، متجنباً نواهيها، مستعظماً قائلها، أما السرعة في لفظ الكلمات وسرقة أحرف منها وعدم لفظها، فليس فيه شيء من تعظيم الصلاة، أو الرغبة في الخشوع، وهل يأتي الخشوع لإنسان لا يرغب فيه أو لا يبحث عنه، اربط رغبتك بالخشوع بحسن التنفيذ، وتذكر أن الصلاة ليست مسابقة في التلاوة، وإن كان فيك هذا العيب فاعلم أنه لا خشوع لك.

51. حاول الاستفادة من المناسبات بقراءة الآيات الذاكرة لها والدالة عليها:

تمر مناسبات دينية كثيرة على طول السنة، منها الكبيرة كشهر رمضان، ومنها العابرة كذكرى معركة والإسراء، عزز هذه المناسبات الدينية في قلبك، واختر الآيات الدالة عليها من القرآن الكريم لترددها في صلاتك، ولتربط هذا الدين مع الواقع الذي تعيشه وبين المناسبة بتلاوة آياتها في صلاتك، والتفكر بها لتقودك إلى مزيد من التفاعل والتقارب مع الدين الذي تؤمن به، فتزداد به محبة وتعلقاً وإقبالاً وحتى فهماً، فتستشعر عظمة المناسبة.إن هذا الربط والاستشعار بعظمة المناسبة وعظمة هذا الدين لا شك بأنه سوف يحرك عواطفك نحو المناسبة، فتزداد إيماناً يقودك إلى الخشوع بإذن الله.

52. تابع قراءة الإمام وتأمل معاني الآيات، واسأل وابحث عن معاني الكلمات:

تقدم أن التلاوة الجيدة من قبل الإمام سبب للخشوع في الصلاة، ولكن حتى تتم هذه الاستفادة لا بد من متابعة هذه القراءة وفهم معانيها واستيعابها، والحاصل أن كثيراً من المأمومين تراهم قد سرح تفكيرهم نتيجة عدم القراءة وعدم متابعة الإمام، فيكون ذلك سبباً في فقدان الخشوع، لغياب الوعي الذهني، والأمر لا يتوقف على الاستماع فقط وإنما يتعداه إلى فهم المعاني الواردة في الآيات فهماً يقود إلى التفكير والبحث عن كل ما هو غريب من كلمات تمر أثناء القراءة، وقد مدح الله الذين أوتوا العلم بأنهم أقرب من غيرهم للخشوع (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ)(صّ:29) ، والتدبر يحصل بالعلم بمعاني الكلمات والتفكر فيها، لذلك اشغل نفسك بالقرآن في معرفة معانيه من خلال ما تتلو أو يتلى عليك ولا تجعل المعاني الغامضة عليك تمر هكذا دون أن تولد لديك شعوراً بالمسؤولية في وجوب معرفة معناها حتى نكون ممن وصفهم الله في كتابه العزيز: (وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً)(الفرقان:73) ، تابع الإمام وتابع قراءته وتابع المعاني ففي هذا انشغال لك، وخشوع بإذن الله.

53. لا تشغل نفسك بثيابك، أو بمكان الصلاة، فتخسر الخشوع:

بعض الملابس لا تتناسب مع الركوع والسجود والخفض والرفع، فربما تكون ضيقة أو واسعة، فيلزم رفعها في كل مرة، وتسويتها وحفظها من السقوط، وهذا كله انشغال فيما لا يجب الانشغال به في الصلاة، فلماذا نقدم على الصلاة في مثل هذه الملابس ونحن نعلم أنها سوف تشغلنا عن الصلاة، فإذا كنا حقاً مهتمين بالخشوع فإن هذه الملابس سبب في غيابه، فلِمَ نبقي عليها أو نقدم على الصلاة بها، ونضحي بالخشوع، وقد يكون في موضع السجود شيئاً ما فتنشغل به في كل مرة تريد أن تسجد فيها، بل إن تفكيرك سوف يسبق سجودك، فينشغل ذهنك في كيفية تسوية موضع السجود قبل السجود، وفي هذا تشتيت للفكر الذي هو أساس لخشوع القلب، وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الرجل يسوي التراب حيث يسجد: "لا تمسح وأنت تصلي، فإن كنت لا بد فاعلاً فواحدة تسوية الحصى"، وحتى هذه المرة الواحدة المسموح بها إنما هي للأمر الطارئ فقط، أما الأصل فهو تسوية موضع السجود قبل الدخول في الصلاة.

54. توسع في فهم معاني الفاتحة، توقف عندها لتستشعر فيها الخشوع كله:

الفاتحة هي أم الكتاب، ومعنى أم الكتاب أنها تحوي من كل ما تحدث عنه القرآن الكريم، فهي شاملة لجميع المعاني التي تتناولها بقية آيات القرآن الكريم، لذلك جاءت قراءتها في كل ركعة من الصلاة بمثابة مرور على كل معاني القرآن الكريم، وهذا العمق في الفهم لها ولآياتها لا يأتي إلا بعد تأمل شامل كامل لمعانيها من كتاب أو أكثر من كتب التفسير للقرآن الكريم، فإن كنت حريصاً على فهم أكثر سورة ترددها في حياتك وفي كل ركعة من صلاتك فكتب التفسير أمامك تنتظر جهدك.
جاء في الحديث القدسي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ، قال الله: حمدني عبدي ، فإذا قال: (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ، قال الله: أثنى علي عبدي ، فإذا قال: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) ، قال: مجدني عبدي، فإذا قال: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) ، قال هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيم ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ) ، قال: هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل" ، فتأمل هذه المحادثة بين المصلي الخاشع وبين رب العالمين، ألا تطمع في أن تكون العبد الخاشع الذي يحادثه الله ويستجيب له.

55. تأمل معنى التعهد (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) الذي تردده في كل ركعة:

في سورة الفاتحة التي نكررها في كل ركعة تعهد يصدر منا مع كل ركعة نركعها لله، هذا التعهد هو (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) ، ونحن نمر على هذا التعهد دون تركيز يذكر، وذلك بسبب جهلنا بمعانيه، ولو أننا فهمنا بمعناه لكان مروره على قلوبنا يهزنا هزاً لما يحمله من معنى والتزام، وإذا أردت الاستزادة عن هذا التعهد فعليك بكتاب ابن القيم (مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين) ، الذي يقع في ثلاثة أجزاء تتجاوز عدد صفحاتها (1500) صفحة تتحدث كلها عن معنى " إياك نعبد وإياك نستعين "، فتصور لو أن شيئاً من هذه المعاني حضرك وأنت في الصلاة، لأثر على خشوعك ولما استطعت أن تمر عليه ساهياً كما يمر الكثير منا، اجعل معانيها تمر على قلبك، واستشعر بالمسؤولية التي عليك عندما تنطق بهذا التعهد ففيه كل المعاني إن لم يكن كل القرآن.

56. ثق بكلمة آمين ودعها تملؤك خشوعاً:

بعد انتهاء الإمام من قراءة الفاتحة نقول جميعاً آمين، بمعنى اللهم استجب، وذلك رداً على طلب اهدنا الصراط المستقيم، وهذا الطلب ليس بالطلب الهين البسيط، وإنما هو طلب للجنة بعينها فيما لو هدانا الله، لذلك يجب أن نكون واعين كل الوعي حين نقول اللهم استجب، مختصرة بكلمة آمين، بل يجب إخراجها من القلب وبنية صادقة لتلقى الاستجابة من الله العزيز الكريم، أما إن صدرت هذه الكلمة من اللسان فقط دون أن تمر على القلب فلا معنى لها ولا استجابة، لذلك أخرج كلمة آمين من أعماق قلبك، مليئة بالأمل بالله، ليكون لها الأثر في زيادة خشوعك في الصلاة، ولا تجعل هذه الفرصة في الاستجابة وفي الخشوع تفوتك، ولنتذكر قول رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم : " إذا أمن الإمام فأمنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه".

57. قبل الركوع اسأل نفسك عن ما قرأت، فإن لم تعِ ما قرأت أعد القراءة:

نحن نسعى لصلاة فيها خشوع، وحيث أن هدفنا واضح فإننا نستطيع قياس ما تحقق منه أولاً بأول، فإذا ما أتممت القراءة وهممت بالركوع اسأل نفسك عما قرأت، وهل وعيت ما قرأت، فإن كان الجواب بالنفي، أعد القراءة بوعي، فنحن لا نريد أن نضيع أية ركعة دون خشوع، ونريد أن ندرب أنفسنا عليه، وبهذه الطريقة لن تمر ركعة إلا وقد حصل فيها الوعي المؤدي للخشوع، أعد القراءة إذا لزم الأمر مرات ومرات فالهدف هو الوعي والخشوع، وبعد قليل من التركيز فانك لن تحتاج إلى أي إعادة أن، لأن من طبيعة الإنسان أنه إذا علم أن عليه إعادة أن هو اخطأ، فانه سوف يركز منذ البداية كي لا يخطئ فيتوجب عليه الاعادة، والتجديد في الآيات التي تتلوها يبعد عنك السهو ويجعلك أكثر انتباها لما تقرأ ويبعد عنك الآلية في القراءة فتعي ما تقرأ، ولا تعود بحاجة إلى الاعادة، بل سيزيدك هذا التركيز خشوعا.

58. عند الرفع من الركوع أو السجود اسأل نفسك هل سرحت:

كما تقدم في النصيحة السابقة، هدفنا واضح ويمكن قياسه في مراحل التنفيذ، وعليه افحص نفسك عند الركوع والسجود والرفع، هل سرحت؟ حتى تعيد لنفسك التركيز والوعي بما تفعل حرصاً على الخشوع، وقبل الانتهاء من الصلاة، بمعنى آخر اجعل هم الخشوع موجوداً معك في الصلاة، حتى تعيد لنفسك الخشوع في أية لحظة تسهو بها، فلا تسمح لها بالغياب لحظة عن الخشوع، وهذا الفحص مطلب في البداية فقط، ثم بعد ذلك يصبح الخشوع عندك شيء قد تعودته ، يجري عندك في الدم، فلا حاجة لتفقده إلا فيما ندر، ولتعلم أن مجرد اهتمامك بالخشوع والتنبه إليه ومحاولة قياسه أثناء الصلاة لدليل عن وجود الرغبة في الحصول على الخشوع، ومن كانت هذه رغبته وقد وضعها في مركز تفكيره فسوف يحصل عليه بلا شك.

59. احفظ عدداً من الأدعية لتدعو بها في الركوع والسجود والقيام:

الخشوع لحظات تذلل لله سبحانه وتعالى، هذه اللحظات يجب أن تستغل في الدعاء إلى الله، فإن كنت جاهزاً حافظاً لعدد من الأدعية، فإن ذلك سوف يساعد على استمرار عملية الخشوع لديك، بل سوف يعززها الدعاء المتواصل والتذلل لله تعالى عندما تدعوه طالباً رحمته طامعاً في جنته، وأكثر ما يكون الدعاء مستجاباً في السجود وحين الخشوع، فإذا ما اجتمعا معاً ( السجود والخشوع )، فهي قمة الاستجابة، وفي ذلك يعلمنا الله : (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) (الانبياء:90) ، فكان من أسباب الاستجابة له الدعاء في لحظات الخشوع رغبة في ما عند الله من رحمة، ورهبة من عذابه، مع الخشوع التام لله، ونذكر بدعاء ذي النون ( النبي يونس ) عليه السلام، إذا نادى ربه وهو في الظلمات بالدعاء العظيم: (أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ)(الانبياء: من الآية87) ، فهو ناء مضمون الاستجابة، إن خرج من قلب مؤمن صادق راغب في الله وفي الخشوع له، ودليل ذلك في بقية الآية الكريمة التي تقول: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ) (الانبياء:88) ، ركز على فهم معنى (وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ).

60. جلسة التشهد فيها مجال للسهو، افهم معانيه لتحافظ على خشوعك:

إن حرصنا على الخشوع حرص ممتد على كل لحظة من لحظات الصلاة، لذلك نبحث عن أية نقطة ضعف يمكن للشيطان أن يدخل منها ليوسوس فيها للإنسان كي نعالجها، ومن بين هذه النقاط لحظات جلسة التشهد، التي قد يسهو فيها الإنسان، لذلك افهم واستوعب معنى التشهد والصلاة الإبراهيمية، كي تستطيع التفاعل معهما حين قراءتهما، كي نستذكر فيهما حب الرسول صلى الله عليه وسلم وأهمية الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ، وعلى الصحابة أجمعين كما وردت في التشهد، وسوف تلمس في التشهد معاني السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته رضوان الله عليهم، فكلما صليت على النبي صلى الله عليه وسلم كلما صلى عليك الله، وكلما سلمت على النبي صلى الله عليه وسلم كلما رد عليك النبي صلى الله عليه وسلم السلام، فأي شيء أعظم في هذه الدنيا من صلاة الله عليك وسلام نبيه عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.

61. إذا أنهيت التشهد قبل الأمام أشغل نفسك بالدعاء حتى ينهي الإمام بالسلام:

قد لا ينهي الإمام قراءة التشهد بسرعة، وتنتهي أنت منه قبل الإمام، فلا تدري ماذا تفعل، فتكون فرصة للشيطان ليوسوس لك بأشياء كثيرة، ويسلب منك الخشوع، لذلك أشغل نفسك بمجموعة من الأدعية تدعو بها الله حال الانتهاء من قراءة التشهد، وبذلك تفوت الفرصة على الشيطان في وسوسته، وهذا ما علمنا إياه الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف: "إن الله هو السلام، فإذا قعد أحدكم في الصلاة فليقل: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإنكم إذا قلتموها أصابت كل عبد لله صالح في السماء والأرض، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ثم ليتخير من المسألة ما شاء".

62. اجعل من دعاء القنوت فرصة لك لمزيد من الخشوع والبكاء:

الحاجة سبب للدعاء، والدعاء فاتحة لحسن الأداء، والسنة الشريفة فاتحة لكمال الأعمال، وجمال الكلمات سمو في الدعاء، ودعاء القنوت من الأدعية المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، كان يدعو به في النوازل ووقت الحاجة وهو: " اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا برحمتك واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، فلك الحمد على ما هديت، ولك الشكر على ما قضيت، نستغفرك اللهم من جميع الذنوب والخطايا ونتوب إليك، اللهم ..، اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك،اللهم.. ، اللهم إني أسألك.."، اجمع كل هذا مع بعضه في قلبك، وأخرجه بنية صادقة صافية؛ لتجد أنك قد خشعت تفاعلاً مع معاني هذا الدعاء الذي كان يدعو به الرسول في النوازل.

63. إذا شعرت بأنك أسرعت في صلاتك دون خشوع، أنقذ ما تبقى منها بخشوع:

قد يسهو الإنسان في لحظة من اللحظات أثناء الصلاة، وليس أدل على السهو من الإسراع في الصلاة، فهو المؤشر على السهو وفقدان الخشوع، فإذا ما حدث لك ذلك، تنبه إليه، وترو بما تبقى من الصلاة، وحاول إكمال صلاتك بخشوع للفوز بما تبقى منها بخشوع؛ فالصلاة التي تفوتك دون خشوع خسارة لا تعوض، لذلك احرص على أن تؤدي كل جزء منها بخشوع، فغن فاتك جزء فهو دعوة لك للتركيز أكثر على ما تبقى منها حتى تعيد لنفسك الخشوع، فلا تفرط منها بشيء، بل زد من حرصك على ما تبقى لتعوض به ما فاتك، فإذا ما انتهت الصلاة كلها وأنت مسرع ولم تشعر إلا بعد انتهاء الصلاة، فلا بأس من إعادة مثل هذه الصلاة.

64. وزع خشوعك على جميع أجزاء الصلاة من تلاوة وركوع وسجود:

الخشوع ليس في القراءة فقط ولا في الركوع فقط ولا في السجود فقط، وإنما هو في الصلاة كلها، من لحظة التكبير حتى لحظة التسليم، بل قد يسبق الخشوع التكبير، ويستمر معك بعد انتهاء الصلاة، ولكن لحظات عظمته في داخل الصلاة، وهذا الفهم الصحيح يقودنا إلى أن يكون اهتمامنا بالخشوع اهتماماً بكل أجزاء الصلاة، من قراءة وركوع وسجود، فلكل جزء طعمه الخاص من الخشوع، بل إن الفهم يشكل عاملاً مساعداً على الخشوع، وذلك بمعرفة طعم الخشوع لكل جزء من الصلاة، ومحاولة تذوق هذا الطعم عند الوصول إليه، وإن فاتك تناول جزء منه فلا يفوتك تناول بقيته، وهذا التنوع في طعم الخشوع ولذته لا يأتي في المرحلة الأولى من الخشوع، وإنما في المراحل المتقدمة منه، وسوف تكتشف أيضاً أن لكل صلاة لذة خشوع خاصة بها.
إذن فلنحاول الوصول إلى الخشوع أولاً، وليكن خشوعنا موزعاً على كل أجزاء الصلاة؛ كي نستمتع بلذة أطعم الخشوع المختلفة في المراحل المتقدمة.

65. احرص على سجود التلاوة، فهو لحظة خشوع وخضوع تام ودعاء:

"أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء"، هذا قول الرسول صلى الله عليه وسلم ، ورب العزة يقول: (وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) (العلق:19) ، والقرآن الكريم يحوي ستة عشرة موضعاً، ومن السنة إن مر القارئ على أي منها أن يسجد لله تعالى، لذلك يسمى سجود التلاوة، ومختصرا "سجدة" وقد وصف الله عباده الصالحين في الآية بأنهم: (إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً) (مريم:58) ، وفي أية أخرى أكد أن هذا السجود سبب لزيادة خشوعهم: (وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً) (الاسراء:109) .
وسجود التلاوة سبب لدخول الجنة، بدليل أن العكس ( وهو عدم الخشوع) كان سبباً في دخول النار، قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم : "إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد، اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا ويله، أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فعصيت فلي النار".ولنتأمل الحال عندما تكون جبهتك، وهي أشرف شيء منك وأعلاه، ملاصقة للأرض، ويداك ملتصقتان في الأرض، وبقية أعضاء السجود كذلك،كلها تنحط عبودية لله، ملتصقة بالأرض التي خرجت منها، والتي سوف تعود إليها، فلا خروج عن الأصل بالتكبر وحقيقة التراب أمامك، وأنت تقول سبحان ربي الأعلى وبحمده، وتكرر ذلك،خاضعاً متذللاً لله، تعظم خالقك وتقول سبحانه هو الأعلى في شأنه، جل في علاه، وكل ما عداه مستواه التراب، وعائد إلى التراب،فإن كنت صادق النية فيما تقول وتفعل،فأنت مستحق - بإذن الله - أن يستجاب لك، ومستحق لمغفرته لأنك أقررت وميزت بين مقام عبوديتك لله وأنت في مكانك الملتصق في الأرض، ومقام الألوهية لله في علاه، أفلا تكون مثل هذه اللحظات- إن فهمناها - لحظات سكينة وخشوع.

66. إذا وسوس لك الشيطان في الصلاة تمهل، استعذ بالله ثم أكمل صلاتك:

(ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ) (لأعراف:17) ، هذا ما توعد به الشيطان ابن آدم، بأن يأتيهم من كل الجهات، والشيطان لا يأتي للإنسان وهو قائم على معصية؛ لأنه في الوضع الذي يريده الشيطان أن يكون فيه، فهو قائم على معصية، ولا توجد لإبليس أهداف أكثر من ذلك عند هذا الشخص، وهو ليس عدواً لإبليس بل هو عون لإبليس على نفسه وعلى عباد الله المؤمنون، وتبدأ مساعي الشيطان عند الشخص الذي ليس لديه ميول للعبادة، ولا للمعصية، وهذا لا يريح الشيطان؛ فهو يريد أن يراه قائماً على معصية، فيحاول أن يكمل انحرافه بجره إلى المعاصي، وهذا إنسان سهل على الشيطان؛ لأنه ليس لديه من الإيمان ما يمنع الشيطان من طغيانه، إنما تشتد المعركة مع المؤمن القائم على العبادة، التارك للمعاصي، والذي لديه من الإيمان ما يشق على الشيطان اختراقه، ولكن إبليس لا يستسلم، بل يبقى يحاول ويحاول ويغير من أساليبه وخططه حتى يتمكن من اختراق هذا الإنسان من نقطة ضعف لديه، تكون مدخلاً إلى نفس هذا الشخص ليوسوس له بما يريد محولاً طغيانه.
وبداية هذه الوساوس تأتي لفك روابط هذا العبد مع الله، ليبعده عن العبادة أولاً، ثم ليتمكن منه بتزيين المعاصي له، وأعظم روابط العبد مع ربه هي الصلاة،فإن كانت الصلاة بحق وخشوع فهي بل شك مانعة وحامية له من ارتكاب أية معصية، فليس من المعقول أن يقوم شخص من الصلاة إلى المعصية مباشرة أو بعد ساعات، وليس من المعقول أن يقوم شخص بارتكاب معصية وهو يعلم ويقدر أنه عائد للقاء ربه بعد ساعات، فكيف سيقف بين يدي الله وهو محاط بصلاة قد انتهت وصلاة آتية.
والشيطان يدرك ذلك، ويعلم أنه لن يتمكن من هذا الشخص إلى بعد إفساد خشوعه عليه، لذلك فإن أعظم وساوس الشيطان تأتي في الصلاة، وبالذات للشخص الخاشع، لإفساد لحظات خشوعه عليه، حتى يكون إنساناً سهل المنال، ويحاول أن يفسد عليه ركوعه وسجوده، لأن السجود لله هو عقدة إبليس الكبرى؛ لأنه رفض السجود لآدم بناءً على طلب من الله، واستكبر وأبى وقال أنا خير منه، لذلك لا يطيق إبليس أن يرى إنساناً من بني آدم ساجداً لله سبحانه، في حين أنه امتنع عن ذلك، فكان له ما كان من الجزاء عقاباً له على تأبيه على أمر الله، لذلك فهو لا يطيق أن يرى ساجداً، ويبكي إذا سجد المؤمن ويقول أمر ابن آدم بالسجود ففعل فله الجنة، وأمرت بالسجود فصيت فلي النار، حسب ما جاء في الحديث الشريف.
فإذا علمنا كل هذا عن إبليس وعن أهدافه، فهل نستسلم له أم نكون حذرين من عدونا، ونكون حريصين على خشوعنا، فلا نفتح له الطريق ليوسوس لنا في صلاتنا، ولا حتى في غيرها، فإذا ما استطاع أن ينفذ إلينا وبدأ بوسوسته فلنعلم أنه الشيطان. تمهل قليلاً، استعذ بالله من الشيطان الرجيم، ليعينك عليه، اتفل يساراً واستأنف صلاتك عائداً إلى خشوعك، ومركزاً فكرك في ما تقرأ وتقول، وموجهاً قلبك إلى العزيز الجبار، وهذا ما علمنا إياه رسولنا صلى الله عليه وسلم ، عن أبي العاص رضي الله عنه قال: يا رسول الله، إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي، وقراءتي يلبسها علي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ذاك شيطان يقال له خنزب فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه واتفل على يسارك ثلاثاً"، قال: ففعلت ذلك فأذهبه الله عني. ويعلمنا أيضاً سجود السهو: "إن أحدكم إذا قام يصلي جاء الشيطان فلبس عليه -يعني خلط عليه صلاته وشككه فيها- حتى لا يدري كم صلى، فإذا وجد ذلك أحدكم فليسجد سجدتين وهو جالس".

67. لا تعر من حولك اهتماماً أثناء صلاتك، فيتحول اهتمامك لإرضائهم:

نحن بهذه النصائح نريد أن نرقى بدرجة خشوعنا لأعلى الدرجات، فإن لم نستطع ذلك، فليس أقل من أن نحمي أنفسنا من الهبوط إلى درجة الشرك بالله، وذلك عندما نحسن صلاتنا إذا صليناها ونحن في حضرة مجموعة من الأشخاص حولنا تمعن النظر إلينا، فنحسن من الوقوف،ومن القراءة والركوع والسجود، فنطمئن فيما بين الحركات، ونلبس أنفسنا لباس الخشوع، بإظهار التعبير اللازم على وجوهنا، وهذا كله خطأ، وهذا من الشرك بالله؛ لأنك أصبحت تصلي لله ولمن حولك، والله غني عن الشركاء، وغني عن الشرك به، وغني عن مثل هذه الصلاة التي تؤدي إلى غضب الله عليك، ونحن نريد رحمته ومغفرته، وعليه فلنحذر من أن نعير أياً ممن حولنا أي اهتمام، أو أي شيء من صلاتنا، فلا ندخل عليها شيء لم نكن نفعله مسبقاً، ولا ننقص منها شيئاً كنا نفعله سابقاً، بل نبقي عليها كما هي دون زيادة أو نقصان، حتى لا يترك أي ممن حولنا أي أثر علينا ي الصلاة، فتبقى خالصة لوجه الله تعالى، وأي زيادة أو تحسين يجب أن نؤديه بعيداً عن الناس، حتى يصبح جزءاً من سلوكنا في صلاتنا، فنؤديه بعدها بحضور الناس أو بغيابهم ونحن مطمئنين إلى ما نفعل,
ومن زاوية ثانية، فغن تحسين الصلاة لاستمالة قلوب من حولنا سوف يخرجنا من الخشوع لله؛ وذلك لأن الفكر قد شغل بغير ذكر الله عندما أصبح متجهاً لافتعال الحركات والهيئات للتمثيل على الناس، فلم يعد القلب صافياً لعبادة الله، فقد ذهب الوعي الذي يتبعه القلب.

68. لا تتلفت حولك وأنت في الصلاة، ولا حتى بعينيك:

عندما سئل علي بن أبي طالب كرم الله وجهه عن الخشوع قال: " الخشوع خشوع القلب، وأن لا تلتفت يميناً ولا شمالاً "، فاعتبر التلفت سبباً رئيسياً لعدم الخشوع، فعندما يتلفت الإنسان حوله فإنه يحرك بصره باتجاه الأشياء التي يعطيها أهمية أكبر، وكلما زاد اهتمام الشخص بما ينظر إليه أطال النظر إليه، وكلما خفت رؤيته لما حوله وصل إلى درجة أن يمر أخاه من أمامه فلا يراه، لأن تركيزه البصري على شيء آخر، وفي ذلك يقول الله عز وجل: (فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) (الحج:46) ، فهو يشعر أن شخصاً مر من أمامه، ولكنه لا يميزه لأن قلبه منشغل بشيء آخر طغى على تفكيره، حتى أعدم لديه تحليل ما يراه، وحيث أن الخشوع التام انشغال قلب وتعلق بالله، فعليه يكون الخاشع خشوعاً تاماً منشغلاً إلى درجة لا يرى فيها من يمر أمامه، على الرغم من أن عينيه مفتوحتان، لأنه لا مجال لتحليل الصور في الذهن، فالذهن مشغول بحب الله والخشوع له، فإذا ما نزلنا درجة أو درجات من الخشوع التام إلى الأقل يصبح هنالك متسع بسيط في الذهن لتحليل الصور ومعرفة من أمامك، وإذا نزلنا درجات أكثر يصبح هنالك متسع ليس لتحليل الرؤية فقط ، وإنما لتحليل السمع أيضاً، فيتابع ما يجري حوله صورة وصوتاً، فإذا ما انتهت كل درجات الخشوع وجدت أن هذا الشخص يصلي شكلاً، وهو حقيقة يتابع رؤية وسماع ما حوله، بل يحلل كلامهم ويهيئ الردود الناسبة لهم ليقولها لهم بعد الصلاة، وإذا تأزم الأمر معه، ولم يصبر، تجده قد ترك الصلاة ليقول ما في نفسه، فعلى أي درجة من الخشوع تقف، اسأل نفسك، وراقبها.
فإن أردت نصيحة في هذا المجال، فما عليك إلا أن تذكر جيداّ أنك في الصلاة تقف بين يدي الله، وكأنك تراه، فهل تلتفت لغيره، وهل هناك من هو أعز وأجل من الله لتلتفت عنه وتنظر إلى غيره، واعلم أن كل لحظة تسهو بها عن هذا المفهوم ( أنك تقف أمام الله ) هي لحظة خاسرة، يكون الشيطان قد ظفر بها منك، وفي ذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم عن لحظات الالتفات هذه في الحديث الشريف: "هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد".

69. ابتعد عن الحركات النادرة في الصلاة، فليس فيها خشوع:

الخشوع محله القلب، ويسبقه الوعي، فإذا ما اتفقنا على ذلك، فكيف يمكن لأي حركة مهما كانت وكيفما كانت أن تأتيك بالخشوع، لا تصدق ما يروج له البعض من ان بعض الحركات يمكن أن تزيد من خشوعك، افهم معنى الخشوع حتى لا تصبح ضحية لأحد قد يزين لك بعض الحركات، ويؤكد عليها حتى يصورها لك وكأنها الصلاة كلها إن أنت أتيت بها أتيت بالصلاة كلها، وإن تركتها كأنك لم تصل.
أكرر لا تكن ضحية لأحد، واعلم أن الوقوف في الصلاة والركوع والسجود والجلوس إلى التشهد، كل ذلك هيئات نأخذ منها ما هو ثابت عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، نبتعد عن الحركات النادرة؛ لأنها لن تجلب لنا المزيد من الخشوع، ولا المزيد من الحسنات، وتركها أولى، وذلك بسبب "إن الله تعالى لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن إنما ينظر إلى قلوبكم و أعمالكم"، هذا ما علمنا إياه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ، وكثرة الحركات مذهبة بالخشوع، ولننظر إلى قول الله تعالى في كتابه العزيز: (وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا المَاءَ اهْتَزَّتْ وَ رَبَتْ)(فصلت:39)، فإضافة لمعناها العام في الإحياء أنظر إلى الوصف؛ فالأرض كانت خاشعة، فلما نزل عليها الماء واهتزت زالت عنها حالة الخشوع، فاهتزازها دل على تغيير الحالة، وأنها كانت خاشعة عندما كانت ساكنة، فلم لا نتعلم من القرآن الكريم؟.

70. افهم واستوعب معنى " سبحان ربي العظيم " و " سبحان ربي الأعلى ":

نضيف هنا ضرورة فهم واستيعاب معنى ما يتلفظ به الإنسان عندما يكون راكعاً أو ساجداً، فكلما وعى الإنسان ما يقول كلما كان على قناعة أكثر بما يفعل وبما يقول، فكيف إذا كانت هذه الكلمات مما علمنا إياها رب العالمين " سبحان ربي العظيم " و " سبحان ربي الأعلى " ففيهما من الأسرار ما يملأ الصفحات ولكنه ليس موضوع كتابنا هذا، لذلك نكتفي هنا بذكر القليل وباختصار شديد:

- معنى "سبحان الله" : تنزيه الله تعالى عن كل نقص، وإثبات الكمال له.
- معنى "ربي العظيم": الأعظم شأناً في هذا الكون، الوحيد المستحق للسجود.
- معنى "ربي الأعلى": العلي في كل شيء، علو رفعة ومنزلة، فسبحانه في علاه.
- معنى "وبحمده" : أن كل تسبيحنا هو لحمد الله على نعمه؛ فبحمده ولحمده نسبح.
تذكر أنك تسجد لله وأن هناك أناساً دعوا إلى الركوع فلم يستجيبوا، وأنت دعيت فاستجبت فما أعظم أجرك : (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ارْكَعُوا لاَ يَرْكَعُونَ) (المرسلات:48)
إن لحظة السجود ووضع الجبهة على الأرض قمة لحظات التذلل لله سبحانه وتعالى؛ لأن جبة الإنسان هي أشرف شيء لديه وهو تمثل كرامته، فعندما يلصقها في الأرض ويمرغها في التراب تذللاً لله وحباً لله ورغبة في الله ورهباً من الله، فإنه يكون قد أدى ما عليه لله، فكان حقاً على الله تعالى أن يكرمه ويستجيب له بإذنه.
إن كل ما يسبق السجود من تلاوة وركوع ورفع هو تهيئة للوصول لهذه اللحظة العظيمة، لحظة السجود لله في خشوع، فحاول ألا تصل إليها إلا وأنت خاشع لله.

71. حافظ على خشوع جسمك كله، وصبر نفسك على الحكة وغيرها:

كلما ارتقى الإنسان في خشوعه في الصلاة كلما زاد انشغال ذهنه بما يؤديه، حتى يصل إلى درجة انشغال جملته العصبية كلها فيما يخص العبادة فقط، فلا يعود هنالك مجال للشعور بالبرد أو الحر، أو لزوم الحكة أو غيرها، لذلك وجد أحد التابعين أن أفضل طريقة لبتر قدمه التي أصيبت بالغرغرينا دون أن يتألم هي أن يدخل في الصلاة، ثم بعد ذلك يقوم الطبيب ببتر ساقه، وقبل أن ينهي صلاته يكون الطبيب قد أنهى عمله، ولكننا لسنا على مثل هذه الدرجة من الخشوع فنحن نصلي وننهي الصلاة ونحن ما زلنا نشعر بكل ما حولنا، ولا نزال عرضة لحك أجسامنا أو التثاؤب أحياناً، وهذا دليل واضح على ضعف خشوعنا في الصلاة، فهل نستسلم؟ لا، إذن صبر نفسك على الحكة وغيرها، ولا تستسلم لها، فإن طاوعتها ازداد طلب جلدك لها، بل وربما تصبح عندك عادة، فكلما دخلت إلى الصلاة جاء وقت الحكة، فإن أنت أهملتها منذ البداية ارتحت منها حتى النهاية، ولا يعد جسدك يطلبها، بل إن هذا الكبت تدريب يمتد أثره إلى كل الصلوات، بعدها لا تعد تشعر بحاجة إلى الحكة أو غيرها، ولا تصبح عندك عادة.

72. لا تجعل صلاتك تصبح عادة، بل جدد لها في كل شيء حتى تبقى عبادة:

إذا كرر الإنسان فعل شيء عدة مرات في اليوم ولعدة سنوات كالصلاة، فمن المؤكد أنها سوف تصبح عادة، وفي هذا فقدان للخشوع وخسارة للثواب العظيم، وهو قتل للأثر الذي يجب أن تتركه الصلاة في النفس، وعليه فلنحذر من أن نجعل عباداتنا تصبح عادة فتفقد بريقها ونفقد الإحساس بها، احرص على حمايتها من أن تصبح عادة، وذلك بالتجديد فيها دائماً بتجديد في الآيات التي تتلوها، تجديد وتغيير في المسجد الذي تؤدي فيه الصلاة، والإمام الذي تصلي خلفه، تغيير في المكان الذي اعتدت الصلاة فيه في المسجد، تجديد في اللباس الذي تؤدي به الصلاة، وتعديل بكل ما تستطيع حتى الطريق المؤدي للمسجد عدل عليها، اذهب من طريق وعد من طريق أخرى، ولا تستهن بشيء، فكل ذلك حرصاً على صلاتك من أن تصبح لديك عادة، بل نريدها أن تبقى عبادة.

73. لا تهتم بالحركات والتصرفات الشاذة لبعض المصلين في صلاة الجماعة:

كثرت في هذه الأيام الفرق الدينية، وكل فرقة منها تتبنى من الحركات والهيئات في الصلاة ما يدل عليها، وليت الأمر توقف عند ذلك، بل إن كل فرقة من الفرق تحاول أن تفرض الهيئات والحركات التي تؤمن بها على بقية المصلين، مما يسبب البلبلة بين صفوف المصلين، وتكون النتيجة شحنة من الغضب والألم تصيب كل إنسان مؤمن حقاً بالله، حريص على المسلمين وعلى وحدة صفهم، فيدخل الصلاة وهو متوتر الأعصاب، مشوش الفكر، فيخرج منها دون خشوع، ومثله الكثير من المصلين، لذلك لا تهتم بمثل هؤلاء ولا تناقشهم، فهكذا قال لهم مشايخهم، وهذه تعليماتهم ولن يخالفوها أبداً مهما قلت وأعدت وبينت، فاختصر الطريق على نفسك ولا توتر أعصابك، وادعُ الله أن يهديهم، واظفر بالخشوع بنسيانك لأمرهم، واحسب نفسك أنك ما رأيتهم.

74. معظم السرقة من الصلاة تكون من الركوع والسجود، فاحذر ذلك:

إذا كنا مهتمين حقاً بالخشوع، فإننا سوف نعطي الصلاة حقها من الوقت، ولا داعي للتحدث عن السرقة من صلاتها، فهي ليست صفة من يريد الخشوع، ولكننا نتحدث عنها للمبتدئين الراغبين في الخشوع، فيما لو كانت هذه الصفة لديهم، للخروج منها إلى الكمال، فإن كانت لديك هذه الصفة فعليك التخلي عنها كمقدمة للخشوع، وذلك بالتأني في أداء كل حركة وإتمامها قبل الانتقال للحركة التالية، وعدم التلفظ بـ " سبحان ربي .. " قبل اطمئنانك في الركوع أو السجود، وعدم رفع رأسك قبل الانتهاء منها، وليس كما يفعل البعض فيقول واحدة وهو نازل وواحدة وهو ساجد وواحدة وهو رافع، عن أبي قتادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته، لا يتم ركوعها ولا سجودها ولا خشوعها"، وقال أيضاً "لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في الركوع والسجود"، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يطمئن في ركوعه وسجوده حتى يرجع كل عظم إلى موضعه.

75. لا تفهم الخشوع على أنه الإطالة في الصلاة فقط:

بعض الناس تفهم الخشوع على أنه الإطالة في الصلاة، الإطالة في القراءة والإطالة في الركوع، والإطالة في السجود، وهذا ليس من الخشوع، بل ربما تؤدي إطالتك إلى سرحان فكرك، فتكون النتيجة عكسية، وسبباً لفقدان الخشوع، والسبب في هذا الاعتقاد هو نقر البعض للصلاة نقراً، فتكون أولى النصائح التي توجه لمثل هؤلاء التأني في الصلاة، والتأني لا يعني الإطالة، وإنما هو ضد النقر فقط، وإذا عدنا إلى تعريف الخشوع فإننا لا نجد فيه للزمن أي ذكر أو عامل، فالأمر متروك للمصلي يتصرف به كما يشاء، ولكن هنالك حدود للحد الأدنى من الركوع والسجود، وليس هنالك حدود للحد الأعلى لها، فتجاوز الحد الأدنى بالاطمئنان، ثم كن صادقاً مع نفسك، وأطل ما شئت ما دمت منسجماً وخاشعاً، وإذا ما شعرت أن الإطالة سوف تخرجك من الخشوع فلا تطل، بل اكتف بما استطعت، وتذكر بأن الخشوع يحتاج إلى وعي ذهني وتركيز، فإذا علمنا أن الإنسان لا يستطيع استدامة التركيز الذهني لمدة طويلة وخاصة في بداية تعلمه للأمور، فإنه ينصح في بداية تعلمه للخشوع في الصلاة الاكتفاء بالوقت العادي الذي يطمئن فيه إلى ركوعه وسجوده.

76. لا تفكر بالأعمال التي عليك بعد الصلاة، ولا تحاول حلها وأنت تصلي:

وقت الصلاة هو وقت للوقوف بين يدي الله عز وجل وليس هو الوقت المخصص لحل المشكلات والتفكير في أمور الدنيا، فهذا كله يتعارض نع الخشوع، فإذا انشغلت بشيء من أمور الدنيا وأنت في الصلاة، فاعلم أنها وسوسة من الشيطان دخل عليك في صلاتك ليزين لك حلاً من عنده للمشكلة التي تواجهك، ويحاول أن يلبس عليك هذا الحل، فاحذر حلول الشيطان، ولا تحمل همومك ومشاكلك إلى الصلاة حفاظاً على الخشوع وخوفاً من حلول الشيطان، ونحن لا ننكر رحمة الله بنا عندما يوحي لنا حلاً لمشكلة نواجهها، ولكن عادة ما يأتي هذا الحل خارج وقت الصلاة، وإن أتانا في الصلاة فإنه أغلب الظن يأتي في آخرها، ولا يشغل تفكيرنا ونحن في الصلاة، فيأتي فجأة دون تفكير مسبق ودون سابق إنذار، إن كان رحمة من عند الله.

77. لا تطلق العنان للتثاؤب وأنت في الصلاة، حاول كبحه قدر المستطاع:

التثاؤب من الشيطان، ولا يأتي الإنسان وهو في حضرة أشخاص مسؤولين عنه، يشعر بالهيبة في حضورهم، بل لا يخطر التثاؤب على باله في تلك اللحظات، فإذا ما اتفقنا على ذلك، فسوف نتفق على أن الله أحق أن نشاه، وعليه فكيف يخطر التثاؤب على بالنا في الصلاة إن كنا خاشعين، إذن فالتثاؤب مقياس عكسي للخشوع، وعليه فلنتذكر عظمة الله جل جلاله ونحن نقف بين يديه، لتزول عنا أية رغبة في التثاؤب، والرسول صلى الله عليه وسلم يعلمنا ما نفعل؛ ففي الحديث الشريف: " إذا تثاءب أحدكم في الصلاة فليكظم ما استطاع فإن الشيطان يدخل "، وفي حديث آخر: "إذا تثاءب أحدكم فليضع يده على فيه، فإن الشيطان يدخل مع التثاؤب".

78. لا تمزج التثاؤب بأي صوت في محاولة لإخفائه،فإن ذلك يصل لدرجة الحرام:

التثاؤب يتناسب تناسباً عكسياً مع الخشوع، ولكن البعض لا يكتفي بالتثاؤب، بل يحاول أن يمزج تثاؤبه مع ذكر الله في محاولة لإخفاء تثاؤبه، وهذا لعمري يصل عندي إلى درجة الحرام، وخاصة عندما ينغم ذكر الله مع تثاؤبه تنغيماً، فهل مستوى رب العالمين أن تناجيه بتثاؤب؟ إذن فلنترك هذه العادة السيئة جداً ولنكظم التثاؤب من أصله، فإن داهمنا ولم يكن من ذلك بد فلنضع أيدينا على أفواهنا، ولنمرره بصمت تام، ففي الحديث الشريف: "التثاؤب من الشيطان، فإذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع، فإن أحدكم إذا قال: ها، ضحك منه الشيطان".

79. إذا تثاءب من بجانبك فأغمض عينيك فوراً؛ فالتثاؤب ينتقل بالعدوى:

نحن نبحث عن الخشوع ولا نريد لأي كان أن يفسد علينا خشوعنا، والتثاؤب نوع من الكسل الذي يعبر به الإنسان عن عدم رغبته بالاستمرار بما هو فيه، وانتهاء اهتمامه بالأمر، لذلك نلاحظ أنه إذا تثاءب شخص ما فسرعان ما تجد الآخرين قد بدؤوا في التثاؤب مثله، وليس هذا إلا مشاركة منهم في نفس التعبير، وهو عدم الرغبة في الاستمرار، وفقدانهم للاهتمام بما يؤدونه، وحيث أن مثل هذا التعبير لا يجوز أن يكون في الصلاة، وحرصاً على حماية أنفسنا من الوقوع في مثل ذلك، علينا إغماض أعيننا في اللحظة التي نشاهد فيها أحداً بدأ يتثاءب؛ خوفاً وحرصاً على ألا ينتقل شعوره إلينا فنفقد الرغبة والاهتمام بالصلاة التي نؤديها، وبالتالي نفقد الخشوع.


نصائح ما بعد الصلاة:

ما مر من نصائح نكون قد تعدينا المرحلة التي يمكن أن نخشع بها، وما تبقى من نصائح فهي لما بعد مرحلة الخشوع، فإن لم نكن قد خشعنا في الصلاة فهذه النصائح لن تعيد إلينا الخشوع، وإنما هي استكمال لأمر الخشوع في أنفسنا إن كنا قد حصلنا عليه في صلاتنا، وهذه النصائح هي محاولة لتثبيت أمر الخشوع في أنفسنا ومد أثره على حياتنا العامة، ولاستدامته فيها قدر الإمكان، ليصبح الخشوع جزءاً من حياتنا وسلوكنا اليومي، وليس مقصوراً على وقت الصلاة فقط.

80. استغفر ربك بعد كل صلاة، فهو كفارة لأي تقصير حصل فيها:

لماذا نقول عادة بعد الانتهاء من الصلاة: " أستغفر الله العظيم " ثلاثة مرات، لماذا ونحن نعلم أن الاستغفار يكون عادة بعد ارتكاب سيئة وليس بعد أداء عبادة، والصلاة عبادة ورغم ذلك نستغفر الله بعدها، فما الحكمة من ذلك؟ الحكمة هنا هي أننا نطلب الاستغفار من الله سبحانه وتعالى عن أي تقصير حصل من قبلنا في أداء الصلاة ، فالأصل أن نؤديها لله على الوجه الأكمل ، ولكن التقصير لا بد حاصل في الأداء ، فنستغفر الله ، فيكمل الله لنا الأجر ويجبر لنا كل تقصير بهذا الاستغفار ، لذلك اجعل الاستغفار جزءاً من صلاتك ليكتبها الله لك تامة ،حتى ولو قصرت في ناحية من نواحيها ، وهذا الفهم لمعنى الاستغفار هنا ضرورة لتكون النية واضحة صادقة عند التلفظ بالاستغفار ، ولكي يزيدنا خشوعاً عند تكراره ولكي نتلفظ به وكلنا أمل في الله سبحانه وتعالى في أن تكون صلاتنا كاملة في الأجر حتى ولو لم تكن كاملة في الأداء .

81. اقرأ آية الكرسي دبر كل صلاة، وسبح الله وحمده وكبره:

بعد الانتهاء من الصلاة والاستغفار ثلاثاً أتبع ذلك بقراءة آية الكرسي ففيها من المعاني العظيمة التي لو أدركتها لعلمت سبب كونها أعظم آية في القرآن الكريم كما دعاها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وآية الكرسي سبب للبركة لك في الحياة الدنيا وفي الصلاة التي كنت تؤديها، وهي طاردة للشياطين ومساعدة لك على استدامة خشوع القلب خارج الصلاة ، وكل ذلك لن تشعر به ما لم تتمكن من فهم معانيها، فعليك من فهم معانيها حتى تحصل على ما ذكر من فوائدها، وأتبع قراءتها بتسبيح الله ثلاثاً وثلاثين، وحمده ثلاثاً وثلاثين، والله أكبر ثلاثاً وثلاثين، ثم أتممها بالمائة بـِ "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير". إن جو الذكر هذا الذي يلي الصلاة يعزز من عملية استدامة الخشوع ليمتد إلى الحياة الدنيا ليكن له الأثر على سلوكنا اليومي، ولكي نشعر أنفسنا بأننا كنا في عبادة تفرض علينا سلوكاً معيناً في الحياة الدنيا وليس مجرد حركات أديناها، نقوم بعدها إلى الحياة الدنيا بسرعة خاطفة وكأن شيئاً يطاردنا، وكأننا نريد أن نعوض خسارة الوقت التي لحقت بنا من القيام بالصلاة، وهذا التسرع في القيام من الصلاة إلى ممارسة الحياة يعني بكل وضوح أن القلب معلق بالحياة الدنيا أكثر من تعلقه بالآخرة، لأن القلب وما يهوى، فلو كان تعلقه بالآخرة لاستحب استدامة الصلاة ولما خرج من جوها بتلك السرعة، فلنعِ ذلك ولنقد تصرفاتنا إلى ما يجب أن تكون عليه.

82. اجعل فاصلاً زمنياً بسيطاً بين صلاة السنة والفرض لراحة الذهن والجسد:

تصور أنك خارج من امتحان من أي نوع كان فهل تقبل على الامتحان الآخر مباشرة أم تحتاج لفترة بسيطة لراحة الذهن من التركيز ، والصلاة بخشوع تحتاج إلى تركيز ذهني، وتحليق للقلب في رحاب ملكوت الله، لذلك يفضل أخذ لحظات من الراحة يتم فيها التسبيح ما بين صلاة الفرض والسنة، ورب قائل أن عدم أخذ قسط من الراحة أفضل كي يربط خشوعه بين صلاة السنة والفرض، ولكن الثابت أن فترة الخشوع تختلف من إنسان إلى آخر، وكلما طالت المدة قل عدد المستطيعين ، وإن استعادة الخشوع أسهل من مده لفترة طويلة ، إذن فلنأخذ بالأسهل ونترك الأصعب ، ولنجعل فترة راحة بسيطة بين السنة والفرض نريح بها العقل قليلاً، وذلك لمزيد من الشحن الإيماني .

83. اسعَ لمزيد من الخشوع وإياك من دخول العجب لقلبك نتيجة بدء الخشوع:

لا يساورني شك في أن هذه النصائح سوف تقدم لك شيئاً يزيد من خشوعك في الصلاة، فإذا ما حصل ذلك فقد تعجب بنفسك ويدخل العجب قلبك، وتصبح غير راغب في الأخذ بالمزيد من هذه النصائح وتستكفي بما وصلت إليه ظناً منك أن ما وصلت إليه هو قمة الخشوع، وأنك لست بحاجة إلى المزيد، وأن الله قد غفر لك، ولم يبق أمامك سوى دخول الجنة، فإياك ثم إياك من الوقوع في هذا المنزلق؛ فنحن مهما عبدنا الله ومهما خشعنا له سنبقى مقصرين، لا نوفيه حقه من العبادة، صحيح أن الله كريم ويعطي على القليل الكثير، ولكن لا يجوز لنا أن نقول يكفينا عبادة،فرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقلها وإنما قال: " أفلا أكون عبداً شكوراً ".

84. لا تستمع ولا تتحدث بأي ( نكتة ) عن الصلاة أو المصلين:

تنتشر النكتة بين الناس عن شتى المواضيع، وعن الصلاة والمصلين أيضاً، ويتناقلها الناس بينهم، وفي ذلك استهزاء بالصلاة والمصلين، حتى ولو كان بعضها على حق، فهي لا تروى عن حق، وإنما يراد بها الاستخفاف، فكيف نشاركهم بالاستخفاف بها وهي زمن ومكان خشوعنا الذي نسعى إليه، وكيف سيكون عليه أمر الخشوع ونحن نتبادل معهم الاستهزاء والاستخفاف بما ندعي أننا نحاول الخشوع فيه، وعليه فلا يصح ولا يمكن الجمع بين التعظيم والاستهزاء في قلب واحد عن شيء واحد وهو الصلاة، فإما التعظيم وإما الاستخفاف وعليه احفظ خشوعك بتعظيم الصلاة وبتعظيم الحديث عنها في كل زمان ومكان، بل رد كل مستخف إلى الصواب وانصحه بعدم الاستهزاء، ولنسأل أنفسنا إن كنا محبين لشيء فهل نسمح بالاستهزاء به لأي كان؟ الجواب معلوم، فكم من حادث قتل وتكسير للأضلاع نفذ حمية لما يحب الإنسان ولا يرغب في أن يهزئه أحد، ويدخل في التعظيم أيضاً القرآن الكريم وتلاوته والحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم .

85. حاول أن تعيش حياتك كما كنت في داخل الصلاة، كلك خشوع لله:

الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، والفحشاء والمنكر يحدثان خارج الصلاة وعليه فإن لم ينتقل خشوعنا إلى خارج الصلاة أو جزء منه فلن يكون هناك نهي أو امتناع عن الفحشاء ولا عن المنكر، فثمرة الخشوع في أن يصبح سلوكنا خارج الصلاة كسلوكنا داخل الصلاة، كلنا خوف من الله وتذلل له، وطلب رحمة من الغفور الرحيم، فلا نؤذي أحداً ولا نأتي بأحد ولا نظلم أحداً، بل نغفر ونسامح الناس كي يغفر الله لنا ويسامحنا على ما نقترف من آثام، وكي تصبح كل حركة من حركات فيها سكينة وتسامح مع الناس، وليس تفحشاً أو تكبراً على الخلق، فهذه هي ثمرة الخشوع التي نريد أن نقطفها ونعيشها.

86. ابدأ بهذه النصائح بما تشعر أنه حقاً سوف يزيد من خشوعك:

النصائح كثيرة وأحوال الناس مختلفة ودرجات الإيمان لديهم أيضاً مختلفة، فما يناسبك لا يناسب غيرك، وما هو سهل عليك ربما يكون شاقاً على غيرك، وما يمكن أن يؤثر بك قد لا يؤثر على غيرك، لذلك كله خذ من هذه النصائح أولاً ما تشعر أنه سوف يخدمك وأنه قريب من قلبك وسوف يزيد من درجة خشوعك، واجعل ترتيب العمل بهذه النصائح هو نفس ترتيب قربها من قلبك، وهكذا.

87. نفذ ما تستطيع من هذه النصائح وبمقدار ما تنفذ ستزداد خشوعاً في صلاتك:

لقد تعددت النصائح وبلغت عدداً كبيراً، فإذا ما نظرت إليها كلها لتنفيذها ربما يصيبك شيء من الإحباط كونك لا تستطيع تنفيذها كلها، لذلك لا تنظر إلى هذه النصائح ككتلة واحدة يجب تنفيذها عن بكرة أبيها حتى تحصل على الخشوع، كلا.. تذكر ما قلناه في المقدمة من أن الخشوع درجات وأن كل نصيحة قائمة بذاتها وهدفها رفع درجة خشوعك درجة أو درجات، فنفذ من هذه النصائح ما تستطيع ولو واحدة تنفذها وتركز عليها حتى تصبح لديك سلوكاً يومياً ثم تنتقل إلى نصيحة أخرى، وهكذا حتى إتمام ما تستطيع من هذه النصائح، وكما تقدم أيضاً، فإن رغبتك في الخشوع هي التي سوف تشدك نحو تطبيق أكبر عدد ممكن من هذه النصائح، المهم هو أن تبدأ بالتنفيذ ولو بواحدة، لتجد نفسك قد بدأت بالثانية.

ليس كالخشوع شيء

الخشوع حالة نفسية تسمو بها النفس إلى أعلى مراتب الإنسانية؛ لأنه يمثل حقيقة الإيمان الصادقة التي يرتقي فيها الإنسان المؤمن إلى الأعلى وأشرف وأصدق حالاته النفسية، وأجملها وأطهرها، به يتحرر الإنسان من قيود الشهوات وغفلة الدنيا وأغلال الطين، ويحلق فيه لأسمى أنواع الفكر وأصدق العاطفة، ليبلغ الإنسان بذلك أعلى درجات الوعي والإدراك واليقظة، وينتقل للهفة اليقين وفرحته وحلاوة الصدق وعزة الأمل، فيقبل على الله عبداً نقياً تقياً لا يرجو إلا الدار الآخرة.
حين ينتقل الإنسان هذه النقلة الرائعة بالخشوع وتسكن جوارحه خاشعة لله، هذه السكينة والتذلل والتضرع والخشية والإنابة والاستسلام لله هي أعلى درجات العزة للمؤمن، إنها عزة لا يعرفها المجرمون المستكبرون في الأرض؛ فهم في أحط درجات الذل والهوان في دنس الجرائم والفواحش وأحوال الظلم والعدوان بين زخارف الدنيا ومتاعها، بين عرض زائل حسبوه واهمين أنه القوة والعزة، بل هم في غفلة وظلم، فالعزة لله ومن الله: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُه)(فاطر:10) .
والإنسان الخاشع إنسان مختلف عن بقية الناس فكراً واعتقاداً وسلوكاً، اختلافاً يظهر في سلوكه اليومي في الحياة وفي مواقفه مما يجري من حوله، وفي صبره على الناس ورده على الابتلاءات ؛ فهو إنسان من شرح القلب لأن قلبه معلق بالله، فلا يبدو الهم ولا الغم، لأن الدنيا كلها لا تساوي عنده شيء، فهو لا يغضب سريعاً، ولا يفرح كثيراً بأي من أمور الدنيا، لأنه يعلم أنها زائلة، فسعادته ليست معلقة على أي أمر من أمورها، وإنما معلقة برضا رب العالمين عليه لذلك هو إنسان كريم، كثير البذل والعطاء، يعفو ويسامح، ولا يمثل الخشوع عنده الضعف والهوان أمام الناس، ولا الجبن ولا البخل ولا الكسل عن أمور الدنيا؛ فهو يتناول منها كل ما أحل الله له، ويبذل فيها من جهده، فلا ينسى نصيبه منها، ويحسن كما أحسن الله إليه، لذلك قال الله سبحانه وتعالى عن هؤلاء: (سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ) (الفتح:29) ، و سيماهم لا تعني تلك الرقعة السوداء التي تظهر على جبهة بعض المصلين، وإنما تعني ذلك النور الساطع من وجه الخاشعين لله، وذلك الانشراح الذي يبدو على وجوههم، فلا عبوس ولا قنوط من رحمة الله، وتعني تلك البصيرة الإيمانية التي يعالجون بها مشاكلهم بتسامح وتجاوز عمن يسيء إليهم، لذلك هم مميزون من بين خلائق الله، تعرفهم سرعان ما تراهم فتطمئن إليهم.
والخشوع حالة إيمانية مستمرة تمتد فيها الممارسة الإيمانية الصادقة إلى مختلف ميادين الحياة امتداداً متصلاً من العبادة الخاشعة المتعلقة بالله تغطي كافة نواحي الحياة : (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ) (الأنعام:163) ، فهم (رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ)(النور:37).

وكون الخشوع يمثل حقيقة الإيمان الصادق فيه يجد الإنسان نفسه، لماذا خلق ولماذا يعيش وإلى أين هو سائر، فتطمئن روحه إلى كل ما يجري من حوله لأنه تدبير رب العالمين، وتسعد نفسه لأنه أصبح يرى كل شيء من حوله بوضوح ويعلم أنه سائر إلى رب العالمين، وهذه قمة السعادة والاطمئنان التي يمكن أن يحصل عليها الإنسان في هذه الحياة الدنيا، لذلك كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: " جعلت قرة عيني في الصلاة". ولكون صلاة الرسول صلى الله عليه وسلم صلاة خاشعة، فقد كانت تمثل له قمة الرضا والسعادة عن نفسه المتعلقة بخالقها.

جدول بالنصائح

فيما يلي جدول بالنصائح دون شرح أو بيان، وضع بشكل مختصر لمن يرغب في الحصول على هذه النصائح بهذا الشكل، ولمن يرغب في أن يصور هذا الجدول ليضعه في جيبه أو في مكتبه، ليسهل عليه التعامل مع هذه النصائح، محاولاً تطبيق عدد منها في كل مرة يقرؤها، وربما يرغب أحد في تصوير الجدول ليوزعه على الأصدقاء ممن لا يستطيعون شراء الكتاب، فله ذلك وله الأجر عند الله.

الأسباب المانعة للخشوع:
1. عدم وجود الرغبة في الخشوع.
2. أكل الحرام.
3. الانشغال باللغو وفضول الكلام.
4. قسوة القلب والتكبر.
5. الاستماع للأغاني.

نصائح ما قبل الدخول في الصلاة
6. معرفة أسماء الله الحسنى.
7. الصلاة تحتاج لزمن يجب تخصيصه لها.
8. الوقت الذي تستغرقه صلاتك زكاة عن بقية وقتك، كزكاة الأموال.
9. الوضوء السليم جزء ومقدمة للخشوع.
10. استخدم السواك أو الفرشاة في الوضوء وقبل الصلاة.
11. كن دائماً على وضوء.
12. لا تقدم على الصلاة وأنت في شك من وضوئك.
13. لا تقبل على الصلاة وأنت تدافع الأخبثين.
14. اختر اللباس المناسب للصلاة.
15. اختر مكاناً مناسباً للصلاة خالياً من الصور والملهيات.
16. احذر من الصلاة في الممرات والأدراج وأمام الشبابيك المطلة.
17. عين ما تريد قراءته من القرآن الكريم قبل الدخول في الصلاة.
18. احرص على أن تصلي جماعة في المسجد.
19. احرص على الذهاب للمسجد قبل الإقامة بسكينة وداعياً الله.
20. احرص على أن تصلي في الصف الأول.
21. لا تصل وراء إمام لا تشعر بالخشوع خلفه؛ ابحث عن غيره.
22. قم بزيارات لبعض المساجد التي يشهد فيها للإمام بالكفاءة لتخشع خلفه.
23. إذا سنحت لك الفرصة أن تصلي إماماً فلا ترفض.
24. عين ما تريد قراءته من القرآن الكريم قبل الدخول في الصلاة.
25. ضع أمام عينيك عظم ثواب الخاشعين وعظم خسارة المردودة صلاتهم.
26. احرص على أن تستمع للأذان وأن تردد ما يقوله المؤذن ففيه تعظيم لأمر الصلاة.
27. اقرأ عن صفة صلاة الرسول صلى الله عليه وسلم واجعلها قدوة لك.
28. كن على علم بجميع الصلوات فالجهل يحرجك ويخرجك من خشوعك.
29. أكثر من الاستماع إلى تسجيلات قراءات أئمة المسجد الحرام والمسجد النبوي، ففيها النموذج لحسن التلاوة والخشوع.
30. لا تصلِّ بحضور الطعام، كل أولاً ثم صلِّ.
31. لا تصلِّ والناس ينتظرونك لحاجة، اقضِ حاجتهم ثم صلِّ.
32. إذا تأزمت بالوقت فلا تسرع في الصلاة، صلِّ بتأنٍ وأجِّل أو الغِ السنة.
33. إذا كنت مسافرا فاقصر الصلاة، فالقصر لا يعني عدم الخشوع.
34. لا تقم للصلاة وأنت في حالة غضب.
35. لا تقم للصلاة مباشرة من جلسة ضحك ولهو، اصبر قليلاً ثم قم للصلاة.
36. لا تصل وأنت يغالبك النوم، ارقد حتى يذهب النعاس ثم صل.
37. ضع أمام عينيك أن ركعتين تخشع فيهما تدخلانك الجنة وأنه عندما يحين موعد الصلاة ، يحين موعد توزيع الثواب.
38. لا تكن سبباً في فقدان غيرك للخشوع كي لا تفقده أنت أيضاً.
39. إن كنت مريضاً أو بك رشح فاستعن مسبقاً بالمحارم أو الأدوية.
40. توقف عن النظر إلى المحرمات مباشرةً أو من خلال التلفاز أو الأفلام.
41. صل الصلاة في وقتها، فذلك دليل حبك لها، ولا تؤخرها.
42. جهز مكاناً مناسباً للصلاة في بيتك أو عملك وطور فيه أسباب الخشوع.

نصائح في تأدية الصلاة
43. ادخل في الصلاة بنية الخشوع.
44. ابدأ بالخشوع بإحدى الصلوات كتجربة: نعم، ثم انتقل من هذه التجربة لبقية الصلوات بالتدريج.
45. قيام الليل المجال الأوسع لممارسة الخشوع.
46. اقرأ واختر من الآيات ما يساعدك على ترك المعاصي التي تمارسها.
47. أعط اهتماماً لصلاة الفجر فأجواؤها مهيئة للخشوع وهي متدربك للخشوع.
48. صل صلاة مودع لهذه الدنيا.
49. قم إلى الصلاة بقلب منشرح لقدوم وقتها ليساعدك ذلك على الخشوع.